فهرس الكتاب

الصفحة 1980 من 2255

ما سبق يطرح أسئلة مشروعة على ما يُسمى بوصفات الإسلام المعتدل والمتطرف؛ فمن الأقدر على التعبير عن مصالح الشعوب العربية والمسلمة والدفاع عنها وخدمتها: الإسلام المعتدل العقلاني أم الإسلام المتطرف المأزوم؟! وأي خدمة أسدتها خلايا القاعدة للمحافظين الجدد وإسرائيل في أحداث 11 أيلول؟ من كان المستفيد الأول والأهم من هذه الأحداث ومن مثيلاتها في لندن وباريس ومدريد وشرم الشيخ وعمان؟ ومن يمثل المقاومة الحقّة التي تخدم العراقيين: هل هو الزرقاوي وجماعته وخطابه وممارساته النزقة التي تدفع باتجاه احتراب داخلي وفوضى قاتلة؟ أم المقاومة الوطنية والإسلامية القادرة على توظيف السلاح لخدمة المصالح السياسية وقيادة مشروع الاستقلال والبناء والحوار الداخلي؟

حتى في المنظور التاريخي، وفي سياق تحليل الشروط الواقعية، فإنّ الإسلام المعتدل انتشر في فترات الانفتاح والازدهار واللحظات التي شهدت قدرة من النظام العام على الاستجابة للتحديات ومواجهة الأسئلة الكبرى. بينما انتشرت تيارات التطرف والتشدد في فترات الأزمات والإخفاق، وعجز هذا النظام عن مواجهة التحديات. وما فِرَق الخوارج والحشاشين إلا نتاج أزمات كبرى في الخبرة الإسلامية، أدّت دورًا تخريبيًا دمويًا. ومثلت رؤى منحرفة خطيرة ابتعدت عن مقاصد الإسلام وغاياته، وكانت بمثابة انعكاس للأزمات والشروط التي أنتجتها أكثر منها تعبيرًا عن الإسلام ورسالته الإنسانية والأخلاقية.

وفي هذا العصر، خرجت حركات التطرف والتشدد الإسلامي من أتون الأزمات ومن رحم المعتقلات والسجون والتعذيب. أما مجموعات وخلايا القاعدة المنتشرة في كثير من دول العالم، فهي رد خاطئ على أزمات سياسية ومجتمعية، أخفق النظام العام بإيجاد فرص ومناهج صحيحة للتعامل معها.

الإسلام المعتدل الوطني يمثل تعبيرًا عن مصالح المجتمعات العربية وبوابة للعبور إلى المستقبل، وهو التهديد الحقيقي للنظم الاستبدادية العربية الغارقة في الفساد السياسي وفي الاستئساد على الداخل والانبطاح أمام الخارج. في المقابل لطالما استخدمت هذه الحكومات الجماعات الأصولية المتطرفة ذريعة لها لعدم القيام بخطوات إصلاحية حقيقية، ومصادرة حق المجتمعات والأفراد في ممارسة سياسية نقية حرة بعيدًا عن عصا الأمن والإرهاب الرسمي. فجعلت هذه النظم من"الإسلام السياسي" (بعبعًا) أمام الإعلام الغربي. في الوقت الذي حاصرت فيه الخطاب الإسلامي المعتدل وأغلقت عليه القنوات والمنافذ.

والإسلام العقلاني هو الذي يمتلك مفاتيح إدارة الصراع- الحوار الناجح مع الغرب، والدفاع عن مصالح المجتمعات والدول الإسلامية بطريقة فاعلة صحيحة، بعيدًا عن العمليات العدمية التي تضر أولًا وأخيراًَ بالشعوب والمجتمعات والجاليات المسلمة، وخارج سياق الخطاب المأزوم المرتبك الذي يسير وعيونه إلى الماضي وأزماته لا المستقبل وفرصه!

الإسلام المستنير هو الجواب على أزمة المجتمعات العربية الفكرية والسياسية ومعضلة الارتباك بين التراث والمعاصرة، والقدرة على المواءمة بين شغف المسلمين الروحي واستحقاقات العصر، وبناء رؤى إسلامية للمشكلات المعاصرة التي تعاني منها المجتمعات العربية: الاقتصاد والتنمية، النهضة الوطنية، الاندماج القومي، المواطنة وحقوق الإنسان والحريات العامة، حقوق المرأة والأقليات، وفي صوغ مفاهيم لممارسة اجتماعية وفردية إسلامية حضارية.

ما تحتاج إليه هذه المجتمعات اليوم هو اجتهاد فكري إسلامي يدفع بالتناقضات بعيدًا عن حياة المسلمين، ويدمجهم في دورة التاريخ والفعل، بدلًا أن يكونوا ظواهر احتجاج وغضب على كل ما حولهم. وبدلًا من تقديم نماذج مشوهة تصور الإسلام وكأنه دين القرون الوسطى ومحاربة الجديد واحتقار المرأة والتعصب والجهل المدقع!

الخطاب الإسلامي المعتدل الوسطي العقلاني هو الأصل في التعبير عن جوهر الإسلام ومقاصده، وليس وليد اليوم، أو بدعة غربية، إنما استحقاق حضاري وحاجة اجتماعية ملحة. بينما التطرف المنغلق المأزوم يمثل تعبيرًا بامتياز عن أزمة سياسية ومجتمعية واقتصادية تقتضي العلاج

التدين الجديد مناورة حضارية

د. صلاح عبد المتعال / إسلام أون لاين

نستطيع أن نعرف"التدين"بأنه نمط سلوكي وأسلوب حياة، بغرض التمسك والالتزام بأفكار المعتقد الديني وتعاليمه تجاه الخالق والمجتمع؛ إذ يتميز بالإرادة لتعديل السلوك استجابة لمضمون العقيدة الدينية. وينطبق ذلك على معظم الأديان والمعتقدات منذ استجاب الإنسان عبر التاريخ لنداء الفطرة الدينية.

ويمكن أن يُنعَت"التدين الجديد"بأنه عملية اجتماعية يؤدي انتشارها وعموميتها إلى اتخاذ شكل الظاهرة بشروط نشأتها وتطورها، فضلا عن العمومية، مثل القهر والإلزام والتأثير المتبادل مع الظواهر الاجتماعية الأخرى: السياسية، والاقتصادية، والتربوية، والأسرية، والمناخ الثقافي السائد.

وهي مثل غيرها من العمليات والظواهر الأخرى، تسري عليها سنن وقوانين التغير الاجتماعي، وتتأثر بالأبعاد المكانية والزمنية والثقافية، وحركة المجتمع في تقدمه أو تخلفه.

وتخضع عملية التفسير للتدين الجديد أو"المستحدث"إلى نفس القواعد المنهجية في عملية الاستقصاء والبحث بمستوياته المختلفة، بدءا من الأسلوب الانطباعي Common sense methodology. إلى المنهج التجريبي المباشر أو غير المباشر، أي المنهج المقارن، أو التاريخي التوثيقي. كما تخضع أيضا عملية تفسير ظاهرة التدين المستحدث إلى مبدأ التعدد في التفسير، بسبب تعدد الخلفيات الفكرية والأيديولوجية للمفسرين.

لذلك اختلفت التفسيرات من قبل المفكرين اللبراليين والاشتراكيين أو اليساريين، والإسلاميين بمختلف أطيافهم المذهبية.

نظرة على التاريخ

وقد ارتبط ظهور"التدين المستحدث"وتطوره أو"المتدينين الجدد"وكذلك الدعاة، بالمرحلة التاريخية التي مرت بها المجتمعات الإسلامية، خاصة العربية منها، وذلك من حيث إنهم جزء لا يتجزأ من مراحل الدعوة الإسلامية، منذ سقوط الخلافة العثمانية والفترة السابقة لها المهيئة لذلك السقوط، حيث حاول الدعاة استنهاض الأمة بعد بياتها الحضاري الذي تسبب في تخلفها، ثم استقطب نحوها الغزاة والمستعمرين.

فبعد بزوغ الحركة الوهابية التي أُجهضَت عسكريا ولكنها استمرت ثقافيا، ظهر دعاة الإصلاح مثل جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا، ثم حسن البنا الذي يُعتبر من الدعاة الجدد في زمنه، وتمحورت دعوته بإعلاء شأن فريضة الجهاد التي جمدتها دعوى فصل الدين عن السياسة، التي تبناها الفكر الغربي المسيحي، ومن تبعه من رواد الفكر العربي المعاصر، خاصة في مصر والشام.

لقد كانت تلك انعطافة تاريخية للتيار الإسلامي الجديد الذي دفع به حسن البنا وجماعته، مما أثر بشدة في الأحداث التاريخية التي صاحبت حركة"الإخوان المسلمين"التي نزلت بها نوازل المحن والاضطهاد من قبل عملاء المستعمر الغربي وأضرابهم من الحكام العلمانيين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت