-المنهج الإسلامي في علاقة الإنسان بغيرة ، وأنه لا خيار للمسلم - إذا أراد أن يبقى مسلمًا حقيقيًا - إلا الالتزام بهذا المنهج والمبادئ التي تبنى عليه ، وأن واجبه الديني في ذلك لا يقل عن واجبه في أداء العبادات من الصلاة والصوم والحج .
-كشف حقيقة الجوانب السلبية للحضارة الغربية ، والتوعية بنتائج هذه الجوانب الفكرية والعملية ، والإلحاح على تعرية صورها الحقيقية ممثَّلة في الحوادث الواقعية ، وفي تصريحات الساسة والمفكَّرين لا بقصد إثارة الكراهية ضد الغرب ، وإنما إثارة الكراهية ضد المبادئ الشريرة في الثقافة الغربية .
وأبلغ أثرًا من كل هذا أن يهتمَّ المربُّون بهذه النواحي ، ويضمنوا مناهج الدراسة عناصر كافية للوفاء بهذا الفرض ، ليس في مادة التاريخ والجغرافيا فحسب ، بل في غيرهما من مواد الدراسة ، ولا سيما دروس الدين .
ولا بد بعد ذلك وقبله من إنعاش روح الأمل لدى المسلم ، وتذكيره بأن من مقتضى دينه الإيمان الذي لا يتزعزع بأن السلام ممكن على الأرض ، وأنها سوف تملأ عدلًا كما ملئت جورًا ، وأن نور الله - الذي تريد قوى الشر أو الإشراك أن يطفؤوه بأفواههم - لا بدَّ أن يتم: ] وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [ ] الروم آية: 6[ .
ثانيًا: بالنسبة لغير المسلمين:
إذا كانت الحقيقة الواقعة كما يرى جاك ماريتان"إن الغرب فقد الإيمان بالإنسان"فلا بدَّ لتهيئة العالم الغربي لقبول تغير منهجيه السياسي اللاأخلاقي ، أن يعاد إليه الإيمان بالإنسان كمطلب أولي للتغير .
ويتشابه الفيلسوفان الكاثوليكي واللاديني في الحكم بإمكانية التغيير ، وطريقة .
فبينما يؤكد ماريتان الكاثوليكي على ضرورة إنعاش الإيمان والأمل لدى الإنسان ويرى"أنه في أسعد فترات التاريخ كان الشر يعمل في خفية لتحقيق أهدافه ، وكذلك فإنه في أحلك العصور ظلمة يظل الخير على أهبة دائمة يعمل باستمرار لتحقيق انتصارات غير متوقعة وغير ظاهرة"، ويرى"التطور التاريخي ... لا يتحقق في يوم واحد ، فلا بدَّ من عامل الزمن ليتمكن العقل من السيطرة على الوسائل المادية المروعة التي وضعتها في أيدينا الثورة الصناعية التكنولوجية ، ولابدَّ من عامل الزمن لإنضاج الثورة الخلقية والروحية وبعثها من أعماق الخبرة البشرية".
يرى رسل اللاديني"أننا يجب أن نتعلم أن ننظر إلى الجنس البشري كأسرة واحدة"و"إن التغيير العقلي المنشود شاق جدًا ، ولا يتم في يوم واحد على أنه إن أدرك المربون إلحاح هذا الهدف وعملوا له ، وإذا أمكن بجهودهم أن ينشأ الصغار كمواطنين عالميين لا كأفراد في عالم من المتقاتلين الذين يعيشون على السلب والاستعباد ، فإنه يمكن حينئذ أن نأمل في إنقاذ الجنس البشري من الهلاك العالمي الشامل الذي يهدَّدنا به السعي في سبيل تحقيق أفكار بائدة".
إنه لمنطقي جدًا الاعتقاد بأنه في عصر ثورة المعلومات والاتصالات تكون المسؤولية الأولى للعمل من أجل الخلاص من براثن الخطر بالفناء تقع على المفكرين وعلى المربين .
ومن أجل هذا الهدف جرؤ قلم متواضع على كتابة هذه الورقة
صِرَاعُ الحَضَارات مَفهُومُهُ، وحَقِيقَتُهُ، وواقِعُه
بسم الله الرحمن الرحيم
ـ مقدمة:
إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرورِ أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يُضلل فلا هادي له.
وأشهدُ أنَّ لا إله إلا الله وحدَهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه (.
... ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (آل عمران: 102.
... ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (النساء:1. ... ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا . يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (الأحزاب:70-71.
أما بعد، فإن أصدقَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرَ الهدي هَديُ محمدٍ (، وشَرَّ الأمورِ مُحدثاتُها، وكلَّ محدَثةٍ بدعةٌ، وكُلَّ بدعةٍ ضلالَةٌ، وكُلَّ ضلالةٍ في النار.
اللهمَّ ربَّ جبريلَ وميكائيلَ وإسرافيلَ فاطِرَ السماواتِ والأرض، عالمَ الغيبِ والشهادةِ، أنت تحكمُ بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختُلِف فيه من الحق بإذنِك، إنَّك تهدي من تشاء إلى صراطٍ مستقيم.
لا يزالُ الحديث محتدِمًا بين طبقة السَّاسة والمثقفين والباحثين والإعلاميين عن مفهوم صراع الحضارات، وحقيقته، وواقعه .. وبخاصة الصراع بين الحضارة الغربية الرأسمالية النصرانية الديمقراطية وبين الحضارة الإسلامية.
وهل لهذا الصراع وجود من قبل، واليوم، وغدًا .. وإن كان موجودًا متى كان مبتداه ومتى يكون منتهاه .. وهل يمكن تفاديه وإيقافه .. وكيف؟
وفريق من هؤلاء الساسة والمثقفين ـ ومنهم من هو محسوب على الاتجاه الإسلامي ـ قد ذهب بعيدًا؛ حيث تراه يزعم أنه يعمل على إيقاف صراع الحضارات .. وأنه لا بد من إيقاف هذا الصراع .. وأنه قادر على إيقاف صراع الحضارات .. وأنه لا يسمح لشرذمة قليلة بأن تتسبب بهذا الصراع بين الحضارات .. وغير ذلك من الاطلاقات المتسرعة، والتي تنم عن جهلهم وعدم فهمهم لحقيقة الصراع بين الحضارات .. ظنًا منهم أن صراع الحضارات يعني صراع آلة عسكرية وآلة .. أو صناعة وصناعة .. أو مبانٍ وجسور شاهقة ضخمة تتصادم وتتصارع ليزيل كلٌّ منها الآخر .. أو مجرد تقاتل فريق من الناس ضد فريق آخر!
لذا وجدت الحاجة الماسة لبحث هذا الموضوع، والإجابة عن الأسئلة التالية: ما هو مفهوم صراع الحضارات، وما هي حقيقته، وهل له واقع نعايشه ونلمسه .. وما هو موقف الأدلة النقلية من هذا الصراع .. وغيرها من الأسئلة ذات العلاقة بالموضوع؟
نسأل الله تعالى السداد، والتوفيق، والقبول .. وأن يجعل من عملنا هذا مفتاح خير مغلاق شرٍّ، إنه تعالى سميع قريب مجيب.
ـ معنى الحضارة ومفهومها.
فأقول: الحِضارة والحَضارة لغة: هي الإقامة في الحضَر، والحضَر خلاف البادية، وهي المدن والقرى والريف، سُميت بذلك لأن أهلها حضروا الأمصار ومساكن الديار التي يكون لهم بها قرار وعمران، بخلاف الباد في البادية فهو في تنقل دائم يبحث عن الكلأ والماء، لا يعرف القرار ولا العمران.
ويُقال: فلان حضَري إذا كان من أهل الحاضرة، وفلان بدوي إذا كان من أهل البادية، والحضري لما تميز به عن البدوي بالثبات والإقرار وعدم التنقل والترحال فإن ذلك ساعده على أن يثري حضارته مقر إقامته بجميع مظاهر النمو والتطور، والإبداع العلمي والفني والعمراني، والاجتماعي .. فالحضارة هي محضن كل تطور أو إنجاز إنساني [ (1) ] .
أما اصطلاحًا: فالحضارة هي عبارة عن مجموع المفاهيم، والقيم، والتصورات، والعقائد، والقوانين، والمبادئ، والعادات التي تشكل سلوكًا معينًا ومحددًا عند الإنسان، وتحدد له طريقة معينة في الحكم، والعيش، والحياة، والتعامل مع الآخرين.