"الحقيقة الواقعة أننا فقدنا الإيمان بالإنسان"،"العقل يقتضينا أن نؤمن بالإنسان ما دام الإنسان جزءًا من الطبيعة ، وفي الطبيعة - بالرغم من سيادة قانون تنازع البقاء - نجد أن السلام يتخللها في أعماقها ، والإنسان كجزء من الطبيعة لدية جوهر خَيْر في حدَّ ذاته ، إن تطوُّر الكون عبارة عن حركة دائمة - بالرغم من انحرافها الدائم أيضًا - نحو صور أسمى من الحياة حركة تنتهي دائمًا بالفوز النهائي للإنسان ... إن التقدم البطيء للجنس البشري هذا التقدم الذي يمر خلال سلسلة من المعانة والألم ، يدل على وجود طاقات عند الإنسان تجعل أي ازدراء للجنس البشري صبيانيا لا يستند إلى تفكير سليم".
وكتب رينولد نبير:"إن الوضع في الحياة الجماعية للإنسان في الوقت الحاضر يدل على أننا حطمنا حياتنا العامة عن طريق القوى الجديدة والإمكانيات التي وضعتها في أيدينا المدنية والتكنولوجيا . وهذه الحياة المحطمة التي تظهر في بؤس العالم كله وقلقه هي حكم تاريخي موضوعي علينا ، هي حقيقة الموت الذي ترتب على حياة الغرور التي تعيشها الأمم والشعوب ، وهي بغير إيمان ليست إلا فناء".
"إن تاريخنا المعاصر - هو في واقعه - مثل ناصع للوسيلة التي يباغت بها الإله كبرياء الإنسان وغروره واستعلاءه ، وللطريقة التي يوقع بها الحكم الإلهي العقوبة على الأفراد والشعوب الذين يرفعون أنفسهم فوق مستواهم".
"إن فرصة انتصارنا على عدونا تكون أقرب إذا نحن قلَّلنا من ثقتنا بما عندنا من طهارة ... وفضيلة ، إن غرور الأمم القوية وإيمانها بفضلها أشد خطرًا على نجاحها في مجال السياسة من كيد الأعداء".
"إن الحياة الجديدة التي نحتاج إليها مجتمعين في عصرنا إنما تتحقق بقيام مجتمع يتسع لأن يجعل تعاون كل أمة مع غيرها - في هذا العصر التكنولوجي - أمرًا محتَّمًا وعدالةً متزنة اتزانًا دقيقًا"،"إن العامل الحاسم في إيجاد التماسك الاجتماعي في المجتمع العالمي هو القوة الروحية".
وكتب برتراند رسل:"إن خطر الحرب يبقي دائمًا محلَّقًا فوق رؤوسنا"."ما دام نظامنا السياسي قائمًا كما هو ، فإن من المؤكد أن الحروب العظمى سوف تقع بين الحين والحين ، ولا مفر من حدوث ذلك ما دامت هناك دولٌ مختلفة لكل منها سيادتها ولكل منها قواتها المسلَّحة ، ولكل منهما حكمها المطلق يختص بمصلحتها وحقوقها في أيَّ نزاع ينشب"."الحرب الحديثة بغض النظر عن شدة فتكها أسوأ في كثير من الوجوه من الحروب التي وقعت في الماضي"."في الحروب المسلية المطمئنة التي وقعت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر كان المحاربون هم الذين يتعرضون فيها للآلام ، أما في هذه الأيام فإنّ وَقْع الحرب يتزايد على المدنيين ، وإنّ رجلًا بلغ من العمر مثل ما بلغت ليذكر ذلك الوقت الذي فيه كانت الحرب التي تصيب النساء والأطفال أمرًا لا يقع في الحسبان ، غير أن هذا العصر السعيد قد انتهى وفات".
"إن العالم يواجه كارثة محدقة ، وهو يتساءل في حيرة: لماذا لا يلوح في الأفق مجال للنجاة من مصير مؤسف لا يرغب فيه إنسان ؟! إن السبب الرئيسي في ذلك أننا لم تهيأ عقولنا للتعامل مع وسائلنا التكنولوجية وما زلنا نسمح لأنفسنا بطرق للتفكير ربما كانت تتلاءم مع عصر أكثر بساطة في وسائله التكنولوجية . فإن أرادنا أن نحيا حياة سعيدة بوسائلنا التكنولوجية ... فلا مناص لنا من نبذ بعض الآراء والاستعاضة عنها بغيرها ، فنستعيض بالمساواة من حب السيطرة وبالذكاء عن الأعمال الوحشية ، وبالتعاون عن التغلب ، ونستعيض بالعدالة عن حب الغلبة وشهوة الانتقام".
وبعد ، فحتى لو قبلنا رأي المفكر الأمريكي الشهير جون موريس كلارك في الحضارة المعاصرة بأنها حضارة نخرت جذورها حتى لم تعد تستطيع حمل ثقل جذعها ، وفروعه المنتشرة على مساحة واسعة ، إن القوة بغير هدف إنساني أصبحت وثنًا يعبد ويقود الحضارة إلى حافة الانهيار ، وأنه لا معنى أن نأمل - في عالم أسلحة الدمار الشامل - بقيام عالم آمن تسوده الحرية والديمقراطية ، حتى لو قبلنا هذا الرأي فلا أقل من أن نقبل النتيجة التي انتهى إليها هذا المفكر من أنه: لا بدَّ من تنمية قدرتنا على التفكير السليم والعلم البنَّاء ، إذ أن ذلك هو فرصتنا الوحيدة للكفاح بالرغم من سيف دامو كليز المسلط على رقابنا .
في هذا السبيل ماذا يمكن أو ما يجب أن يعمل .
أولًا: بالنسبة للمسلمين:
لاحظ برتراند رسل أن"الغرب أهدى للشرق مساوئه: القلق وعدم الرضا ، والروح العسكرية ، والإيمان الغالي بالآلة . ولكن الدولة القوية في الغرب تحاول دائمًا صرف الشرق عن أفضل ما لدى الغرب: روح البحث الحر ، والتعرف على الظروف التي تؤدي إلى الرفاهية التامة ، والتحرر من الخرافة".
كمثل على صحَّة ملاحظة رسل فإن الإرهاب الذي يعتبر الآن مرادفًا للفظ مسلم في لغة الغرب - كان ضمن هدايا الغرب للعالم الإسلامي . ألا نتذكر أنَّ أول مبنى عام تم تفجيره على سكانه في الشرق الأوسط"وهو فندق ديفيد في القدس"وأن أول طائرة مدنية أسقطت في الشرق الأوسط (وهي طائرة الخطوط الليبية ) كلاهما نفذا بأيدي أناس ينتمون لعالم الغرب المتحضَّر .
لكن ربما كان أسوأ هدايا الغرب للعالم الإسلامي في مجال السياسة تقديس الميكيافيلية وقبول المقياس المزدوج للعدل ، والتسليم بمبادئ الغرب في العلاقات الدولية . وقد ساعد على ضعف جهاز المناعة الإسلامي ضد هذه الشرور ، غلبة الشعور بالنقص الناشئ عن الانبهار بما لدى الغرب من قوى الفكر والتكنولوجيا ، وبما استطاع الغرب أن يحققه داخل مجتمعاته من الديمقراطية ، والعدالة الاجتماعية ، والمساواة أمام القانون بالمقارنة بما ترزح تحته مجتمعات العالم الإسلامي - أحيانًا بمساعدة الغرب - من تخلف ، وظلم واستبداد ، وحرمان من الحرية ، والعدل الاجتماعي ، والقانوني .
غير أن العالم الإسلامي لم يكن في يوم من الأيام منذ أن بدأ تعرضه للغزو الغربي في ميدان الثقافة الشريرة مهيئًا لصحوة النائم ، وإدراك الجانب السلبي للحضارة الغربية كما هو مهَّيؤ في الوقت الحاضر ذلك أن الإنسان مفطور بطبعة على كراهية الظلم - إذا كان صادرًا من غيره - حتى لو كان واقعًا على غيره ، فكيف إذا كان هو الضحية ؟! .
وفي السنوات الأخيرة - وهي سنوات أصبحت فرص الوعي فيها أكبر - مرت المجتمعات الإسلامية بسلسلة من أشنع المظالم ظهرت في صورة من الوحشية والهمجية والتنكر لكل المعاني الإنسانية ، وقد صدرت من العالم"المتحضر"وبمباركته مثلًا في فلسطين ، والبوسنة والهرسك ، والشيشان ، بل إن ما كان الإعلام الغربي يصفه على حقيقته ، بأنه حركته ضد الظلم والاستبعاد في تركستان الشرقية ، وكشمير أصبح على لسان الساسة الغربيين إرهابًا يبرر التحالف الدولي للقضاء عليه .
مغزَى ما سبق أن البيئة الفكرية في العالم الإسلامي مهيَّئة الآن للتعرف على الجانب السلبي للحضارة الغربية وإدراك خطر وخطل المبادئ السياسية الغربية في العلاقات الدولية . وأصبح المسلم الآن أكثر استعدادًا للثقة بمنهج الإسلام وأنه طوق النجاة للعالم إذا أراد أن يتغلَّب على قوى الشر .
إذًا ، فعلى أهل الفكر والرأي أن يبذلوا أقصى جهد لتوعية الجماهير في العالم الإسلامي بأمرين: