الشهب الطالبانية الحارقة على العلمانية المارقة
[الكاتب: حامد بن عبد الله العلي]
الحمد لله القائل: (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق) والقائل سبحانه: (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين) والقائل: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير) والقائل سبحانه: (ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون) .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا صلىالله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ، عبده ورسوله.
وبعد:
استرجاع صور تاريخية
فيما يلي سأنقل لكم كلاما لمستشار وزارة الاستعمار الفرنسي ، قبل أن يبدأوا فعليا بغزو العالم الإسلامي ، ثم قطف ثمار أهدافهم ، وفائدة هذا الكلام أنه يعطي صورة جلية للنظرة التي كانوا ينظرون بها للعالم الإسلامي قبل غزوه:
قال المستشار: ( اخترق المسلمون أبناء آسيا شمال القارة الأفريقية ، بسرعة لاتجاري حاملين في حقائبهم ، بعض بقايا تمدن البيزنطية ) وهذا نكران حاقد لما حمله المسلمون للبشرية من حضارة تميزهم .
ثم قال: ( ثم تراموا بها على أوروبا ، جاءونا مرة أخرى يغزون أوروبا ، ولكنهم وجدوا نهاية إنبعاثهم هذا ، مدينة يرجع أصلها إلى آسيا بل أقرب في الوصلة إلى المدينة البيزنطية ) .
وقال ( ولهذا اضطروا إلى الوقوف عند الحد الذي إليه صاروا ، وأكرهوا إلى الرجوع إلى افريقيا حيث ثبتت أقدامهم أحقابا متعاقبة ) .
ومضى يقول ( لكن لا يزال ينتهي طرفاه من جهة بمدينة القسطنطينية ، ومن أخرى ببلدة فاس بالمغرب الأقصى ، معانقا بذلك الغرب كله) .
كأنه يقول إن العالم الإسلامي المتحد يحمل عناصر القوة والحضارة ، ويحول بيننا وبين العالم فيما وراءه ، وكأنه يتساءل كيف لنا أن نخترق هذا العالم الاسلامي الذي يحصارنا .
(وفي تلك البقعة الأفريقية التي أصبحت مقرا لملك الإسلام جاءت الدولة الفرنسية لمباغتته) .
ثم قال: ( وعاود هذا الخاطر نابليون الأول ، فلم يوفق إلى تحقيقه الفرنسيون إلا في القرن التاسع عشر ، حيث أخنوا على دولة الإسلام ، فأصبحت الجزائر في أيديهم منذ سبعين عاما ، وكذلك القطر التونسي منذ عشرين عاما) .
( بل صارت في صدر الإسلام ، وكبده ، حيث فتحت أراضيه ، وأخضعت بسطواتها شعوبه، وقامت تجاهه مقام رؤسائه الاولين ، وهي تدير اليوم شئونه ، وتجني ضرائبه ، وتحشد شبابه لخدمة الجندية ، وتتخذ منهم عساكر يذبون عنها في مواقف الطعان ن ومواطن القتال ) .
ثم يعود الآن فيحذر من الإسلام ( ليس الإسلام في داخلنا بل هو خارج عنا ، قريب منا ، في مراكش تلك البلاد الخفيه الأسرار ، التي يشبه وجودها الحاضر مقدور الأبد في الغموض ، والإشتباه ، قريب منا في طرابلس الغرب ، التي تتم بها المواصلات الأخيرة ، بين مركز الإسلام في البحر الأبيض ، وبين الطوائف في باطن القارة الأفريقية ، قريب في مصر ) .
يقول بعد ذلك ( هو موجود وشائع في أسيا حيث لا يزال قائما في بيت المقدس ، وناشرا أعلامه على مهد الإنسانية مقر المسيح ) .
وواضح من هذه العبارات أنها تعبر عن تحسر على انتشار الإسلام ، وهيمنته على بقاع الأرض .
ثم يقول ( ويحسب أنصاره وأشياعه في قارات الأرض القديمة بالملايين ، وقد انبعث منه شعبه في بلاد الصين ، فانتشر انتشارا هائلا حتى ذهب البعض إلى القول بأن العشرين مليون من المسلمين الموجودين في الصين ،لا يلبثون أن يصيروا مئة مليون ، فيقوم الدعاء لله مقام الدعاء لساكيموني ، وليس هذا بالأمر الغريب ، فإنه لا يوجد مكان على سطح الأرض ، إلا واجتاز الإسلام فيه حدوده ، منتشرا في الآفاق ، فهو الدين الوحيد الذي أمكن انتحال الناس له زمرا ، وأفواجا ، وهو الدين الوحيد ، الذي تفوق شدة التدين به ، كل ميل إلى اعتناق دين سواه ، ففي البقاع الأفريقية نرى المرابطين ، وقد أفرغوا على أبدانهم الحلل البيضاء ، ومبادئ السلوك في هذا الدنيا ، كما أن أمثالهم في القارة الأسيوية ، ينشرون بين الشعوب الصفر الألوان ، قواعد الدين الإسلامي ، ثم هو قائم الدعائم ، ثابت الأركان في أوروبا عينها ، أعني في الاستانة العلية حيث عجزت الشعوب المسيحية عن استئصال جرثومته ، من هذا الركن المنيع ، الذي يحكم منه على البحار الشرقية ، ويفصل الدول الغربية بعضها عن بعض شطرين ) .
وبهذا يعلم السبب الذي دعاهم إلى إسقاط الخلافة .
ثم يقول: ( أن جميع المسلمين على سطح المعمورة تجمعهم رابطة واحدة بها يدبرون أعمالهم ، ويوجهون أفكارهم ، إلى الوجهة التي يبتغونها ، وهذه الرابطة تشبه السبب المتين ، الذي تتصل به أشياء تتحرك بحركته، وتسكن بسكونه ، ومتى اقتربوا من الكعبة ، من البيت الحرام ، من زمزم الذي ينبع منه الماء المقدس ، من الحجر الأسود ، المحاط بإطار من فضة، من الركن الذي يقولون عنه سرة العالم ، وحققوا لأنفسهم أمنيتهم العزيزة التي استحثتهم على مبارحة بلادهم من أقصى مدائن العالم ، للفوز بجوار الخالق في بيته ، اشتعلت جذوة الحمية الدينية ، في أفئدتهم فتهافتوا على أداء الصلاة صفوفا ، وتقدمهم الإمام مستفتحا العبادة ، بقوله بسم الله ، فيعم السكوت والسكون ، وينتشران اجنحتهما على عشرات الآلاف في تلك الصفوف ، ويملأ الخشوع قلوبهم ، ثم يقولون بصوت واحد الله اكبر ثم تعلوا جباههم بعد ذلك قائلين الله أكبر ، بصوت خاشع ، يمثل معنى العبادة ) .
و لاتعجب من دقة هذا الوصف ، فإن هذا الرجل مستشرق ، والمستشرقون قرأوا القرآن وتعرفوا على شخصية الرسول صلي الله علية وسلم ، وعرفوا دعوته ، وعرفوا ماذا تعني الصلاة عند المسلمين .
ثم يقول هو الجزء الأهم في كلامه ( لاتظنوا أن هذا الإسلام الخارجي الذي تجمعه جامعة فكر واحد ، غريب عن إسلامنا في تونس والجزائر ،( يقصد حيث نحتلهما ) لأنه وإن كانت البلاد الإسلامية هي دار حرب ، فإنها لا تزال عزيزة موقرة في قلب كل مسلم صحيح الإيمان ، والغضب لا زال يحوم حول قلوبهم كما تحوم الأسد حول قفص جلست فيه صغارها ، وربما كانت قضبان هذا القفص ليست متقاربة ، و لا بالدرجة من المتانة ، تمنعها عن الدخول عليهم ).
هذا الكلام الذي بنبئك عن منهج التفكير ، وزاوية الرؤية التي كانوا ينظرون بها إلى الاسلام ، قبل انتشارهم في أرجاء العالم الاسلامي غازين محتلين ، قد نشرته جريدة المؤيد في تمام القرن التاسع عشر (1317 ه) وهو ترجمة لمقال كتبه ( هانوتو ) المستشرق الفرنسي والمستشار لوزارة الاستعمار الفرنسية ، يصف فيه المسلمين وعقيدتهم ، ويضع المقترحات الضرورية لتوجيه سياسة فرنسا في العام الإسلامي .
والمقصود من ذكره هنا ، بيان العقلية التي كان يفكر بها الغرب الصليبي ، تلك العقلية التي انطلق منهاالغزو الثقافي العلماني في البلاد الإسلامية .
بدايات الغزو العلماني على الامة الاسلامية
وقد جاءت العلمانية اللادينية عن طريق موجات متعاقبة ، كالجيش الذي يخرج منه صف ، إثر صف ، ويضرب البلاد الإسلامية ، فيتحطم بعضه ، وينجح بعضه الاخر ، في بعض الأحيان بصورة جزئية في التأثير على العالم الاسلامي.