وتارة يخرج فصيل من صفوف المسلمين ، فيلتحق بصفوف العلمانية ، ويلتف من وراء المسلمين ويضربهم من الخلف ، وهو صف المنافقين ، وقد كان الأعداء حريصين عليه ، لأنه بالغ التأثير في المسلمين كما سيأتي .
أما الموجة الأولى ، فتمثلت في حملة نابليون إلى مصر عام ( 1798 م) وقد وضعت شيئا من جراثيم الغزو الفكري .
ثم احتلال فرنسا للجزائر (1830 م )
ثم احتلال بريطانيا لمصر (1882م)
ثم لما قسمت الولايات العثمانية بين الدولتين ( انجلترا وفرنسا) ، وأخذت إيطاليا نصيبها أيضا ، وصار الغرب الصليبي يدير شؤون العالم الاسلامي مباشرة ، وتحقق لهم الحلم الذي طالموا انتظروه ، كما ذكر المستشرق السابق، شرعوا في الغزو الثقافي للعالم الاسلامي ، منطلقين من هذا السؤال الكبير:
كيف نحول العقل الاسلامي إلى علماني
نعم هذا هو الهدف الاكبر ، الذي يمثله السؤال التالي: كيف نحول هذه الشعوب الاسلامية ، إلى مثل شعوبنا ، إلى شعوبا تفكر بطريقتنا ، وتؤمن بثقافتنا .
وكان أخطر ما في الامر ، أن الغزو الصليبي هذه المرة ، جاء بمنهجية تختلف عن العقلية البربرية التي كانوا قد أتوا بها في الحروب الصليبية القديمة .
جاءوا بمنهجية هدفها النهائي هو: تغير العقل المسلم ، ليحمل الفكر العلماني الغربي ، ويتخلى عن إسلامه تدريجيا من غير أن يشعر ، منهجية بنيت على دراسات المستشرقين عن القرآن ، وعن حياة الرسول صلى الله علية وسلم وسنته ، وكيف يمكن إثارة الشبهات على أصول الاسلام ، لزعزعة ثقة المسلمين به .
وعلموا أنها رحلة طويلة جدا ، ولكنها مثمرة جدا ، لان تغيير العقل المسلم إلى عقل يفصل دينه عن حياته ، ويتبنى الفكر الغربي العلماني ، بدل ثقافته ، سيحقق نصرا كاسحا بلا حرب ، وهو نصر نهائي لاحرب بعده .
وقد نشطت الدوائر الاستعمارية العلمانية الغربية في وضع مخطط عام لفرض العلمانية اللادينية على العالم الاسلامي .
ولعل من المفيد أن أنقل هنا: ما ذكره واحد من أشهر دارسي الحضارة الإسلامية .
وهو المستشرق:"جب"، فهو يقول: ( عن طريق المدارس العصرية والصحافة ، قد ترك في المسلمين من غير وعي أثر مهم ، جعلهم يبدون في مظهرهم العام لادينيين إلى حد بعيد ) .
ثم يقول ( الواقع أن الإسلام بوصفة عقيدة لم يفقد إلا قليلا من قوته ، وسلطانه ، لكن الإسلام بوصفه قوة مسيطرة على الحياة الإجتماعية ، قد فقد مكانته ، فهناك مؤثرات أخرى تعمل إلى جانبه ) .
وجب هذا كان من أوائل من وطأت أقدامهم مصر إبان الاحتلال البريطاني ، وهو بهذا الكلام يوضح أن هدف إقصاء الإسلام عن التأثير في حياة المسلمين كان أهم خطط المحتل الصليبي الثقافية .
ثم يقول ( وهي في كثير من الأحيان - أي هذه المؤثرات - تتعارض مع تقاليد الإسلام ، وتعاليمه ، تعارضا صريحا ، ولكنها تشق طريقها بالرغم من ذلك ، إلى المجتمع الإسلامي في قوة وعزم ) .
ثم يقول ( فالى عهد قريب لم يكن للمسلم من عامة الناس ، وللفلاح ، إتجاه سياسي ، ولم يكن له أدب إلا الأدب الديني ، ولم تكن له أعياد إلا ما جاء به الدين ، ولم يكن ينظر إلى العالم الخارجي إلا بمنظار الدين ، كان الدين هو كل شيئ بالقياس إليه ، أما الآن فقد أخذ بصره إلى ما وراء عالمه المحدود ، وتعددت ألوان نشاطاته التي لم تعد مرتبطا بالدين ، فقد أصبحت له ميوله السياسية ، وهو يقرأ بنفسه ، أو يقرا له غيره ، مقالات في مواضيع مختلفة الألوان لا صلة لها بالدين ، بل أحيانا إن وجهة نظر الدين لاتناقش على الإطلاق ، وأصبح الرجل من عامة المسلمين، مرتبط بالمجتمع الذي يحيا فيه بقوانين مدنية لا يعرف أصولها، ومصادرها ، ولكنه يعرف على كل حال ، أنها ليست مأخوذة من القرآن ، وبذلك لم تعد التعاليم الدينية القديمة صالحة لإمداده في حاجاته الروحية ، فضلا عن حاجاته الاجتماعية ، وأخذت دائرة نفوذ الدين تضيق شيئا فشيئا حتى انحصرت في طقوس محدودة ) .
ولعل هذا القول ، يوجز بوصف مطابق تماما ، لأحد أخطر أهداف الغزو الثقافي على العالم الاسلامي ، الذي حمله الغرب الصليبي ولازال .
هذا ومن أخطر الوسائل التي استعملها المستعمر لترويج العلمانية في العالم الغربي هي وسيلة عزل الدين باسم الدين ، أي من علماء الدين أنفسهم .
يقول"اللورد لويد"المندوب السامي في مصر:
( إن التعليم الوطني عندما قدم الإنجليز لمصر كان في قبضة الجامعة الأزهرية الشديدة التمسك بالدين ) .
وهو يعني هنا أن هذه هي العقبة الاساسية التي تقف في وجه غزو عقول المسلمين ، فالناس يحترمون هذه الجهة ، ويعتقدون أنها الجهة التي تملك حق توجيه عقولهم ، وحياتهم السياسية والاجتماعية والثقافية بنور من ثقافة الاسلام.
يقول ( والتي كانت أساليبها الجافة القديمة تقف حاجزا في طريق أي إصلاح تعليمي ) .
ولننتبه أن الإصلاح الذي يقصده ، غير الإصلاح الذي يعنيه من يريد إصلاح الأزهر لأسباب أخرى ، فالاصلاح الذي يقصده ، هو فصل العلم الشرعي، عن الحياة وفصل علمائه عن التأثير فيها .
ثم يقول: ( وكان الطلبة الذين يتخرجون في هذه الجامعة ، يحملون قدرا عظيما من غرور التعصب الديني ، ولا يصيبون إلا قدرا ضئيلا من مرونة التفكير والتقدير ) ويعني بكلمة ( يحملون غرورا ) هو أنهم يعتقدون أن العلم الشرعي الذي تلقوه فوق كل العلوم ويجب أن يكون ميزانا توزن به .
ثم يقول: ( فلو أمكن تطوير الازهر عن طريق حركة تنبعث من داخله هو ، لكانت خطوة جليلة الخطر ) .
فتأمل هذه النظرة الماكرة ، والتخطيط الخبيث .
وقارن مع قول:"روى بارت"احد مشهوري المستشرقين بقوله ( الهدف من التبشير إقناع المسلمين بلغتهم ببطلان الإسلام ) .
ومع قول"بروان"أحد المبشرين ( يجب أن نحول بالتبشير مجاري التفكير في الوحدة الإسلامية حتى تستطيع النصرانية أن تتغلغل في المسلمين ) .
ولنعد الان إلى كلام:"اللورد كرومر"وهو يضع أول لبنات هذه الخطة .
فقد وجد بغيته للأسف في المفكر"محمد عبده"، فإن هذا المفكر الخطير ، بدأ يقتنع بإنه لا بد من تغيير الثقافة الاسلامية لصالح الثقافة الغربية .
وقد أثنى كرومر على نشاط محمد عبده في تقريب الاسلام إلى الثقافة الغريبة العلمانية ، وعلى حركته في مصر التي أسماها إصلاحيه .
لكنه عاد فاستدرك قائلا: ( لكن لسوء الحظ ظل قسم كبير من المسلمين المحافظين و لاسيما في الهند لا يخضعون لهذه الحركات الإصلاحية المهدئة ، وينظرون إلى الحركة التي تزعمتها عليكره( جامعة في الهند ) ، وإلى مدرسة محمد عبده نظرة كلها ريبة ، وسوء ظن ، لا تقل عن ريبتهم في الثقافة الأوروبية نفسها).
وقد صدق في قوله: حركات مهدئة ، لأن هذه الحركات المشبوهة ، هدفها أن تقول للمسلمين: لا تخافوا فإن هذا المد اللاديني العلماني، لا يخالف الاسلام.
و لاريب أن هذه تعد أعظم هدية تقدم للفكر العلماني .
ثم يقول كرومر: ( إنه يبدو للنظرة الاولى أن الجمهرة العظمى من المسلمين ، لم تتأثر بمؤثرات دينية أوربية ، ولكن ذلك ليس هو الحقيقة كلها .. إن الموزين الدينية والتعاليم الاخلاقية في الاسلام آخذه في التحول ، وأن هذا التحول يتجه نحو تقريبه من الموازين الغربية في الاخلاق ، في كل البلاد الإسلامية باستثناء جزيرة العرب) .
وهو يتكلم عن ذلك الزمان الذي لم تكن أقدامهم وطأت بعد الجزيرة العربية بشكل مؤثر ، وذلك لأنها لم تكن إذ ذاك ذات ثقل اقتصادي ، ولا ثقافي ، ولم يكن البترول قد اكتشف بعد .