فهرس الكتاب

الصفحة 2061 من 2255

والمثال الآخر هو علم الكلام والذي عرف تقليديا بأنه علم الدفاع عن العقيدة، فلا زلنا نتداوله ونلقنه بحرفية ما ورثناه من القرن الرابع للهجرة، ومعلوم أن اشكالياته متساؤلاته وردوده ومنهجياته إنما هي استجابة لتحديات ذلك الزمان وبأدواته، أما نحن فبحاجة للرد على إشكالياته ومتساؤلاته اليوم حول الدين وبمنهجيات العصر ولغته التي يفهمها أبناؤنا، وتعليق الاشتغال على هذا الأمر والاستهانة به لا بد وأن يدفع الجيل الجديد للبحث عن إجابات أسئلته في أماكن أخرى .

إذن أولى الواجبات الملحة بل وحق الدين علينا تجديده وبعث الروح فيه، وذلك من خلال إعادة قراءته قراءة معاصرة تلب حاجاتنا وترد على أسئلتنا نحن، وتستجيب التحديات التي نواجهها .

أما بالنسبة لعلاقتنا بالآخر ومنظومته الحضارية وهي لا شك حضارة تجتاح العالم ولها فعاليتها، وتعمل جاهدة لتكريس ذاتها نموذجا أوحدا، فلا نستطيع اليوم غض الطرف عنها وتجاهلها أو إيصاد الأبواب ونصب العوازل والسواتر دونها، لاستحالة الأمر من جهة لا سيما في زمن الانترنت والفضائيات، ولأن نفس الفعل الحضاري لمجتمع ما لا يكون إلا بالتواصل والتفاعل المبدع والخلاق الذي يتلاقح وينقد وينقض، يتمثل، ويهضم ويبيىء ما يصله من الآخر فيطبعه بطابعه ويضيف إليه ويشذب ما يحتاج إلى تشذيب ويهمل ما يتنافى أو يتناقض مع بنيته الحضارية والقيمية العقدية، إنه تواصل الفعل لا الانفعال، والاتباع والتقليد والاستلاب .

ما سلف يظهر أن المهمة التي ينبغي التصدي لها مهمة صعبة وشائكة لأن المشكلة التي تقابل مركبة، نريد المشاركة في الحضارة العالمية مع الحفاظ على هويتنا، وتمايزنا الحضاري، بل نريد تقديم نموذج حضاري مختلف يصحح المسار ونحن خارج الفعالية الحضارية، وبمعنى آخر علينا أن نجد أنفسنا كمسلمين وأصحاب حضارة موقعا ودورا فاعلا في عصر تجري فيه الأمور بسرعة الضوء، وهو يستلزم بالضرورة الاستفادة من المنجزات الحضارية الراهنة، وباعتبارها انجازا انسانيا عاما والتأسيس لرؤية اسلامية متجددة ومعاصرة، تشكل القاعدة المعيار للنتاج الموجود أو البديل المنشود ولهذه العملية شروطها، وهي شروط قيام ونهوض لا بد من تواصلها لأي مجتمع يبغي الخروج من ركوده إلى أفق الابداع والانجاز وأهم هذه الشروط على الاطلاق:-

1 ـ إعادة الاعتبار للعقل: فالعقل هو الفصل المقوم للإنسان ومائزه عن غيره من الموجودات، به كرم وبه يثاب ويعاقب، ويعمر الأرض ويستخلف فيها من هنا ذاك الحث المتكرر في القرآن الكريم، والأحاديث النبوية على التعقل والتدبر والتفكر والتأمل والنظر والاعتبار تارة تفضيلا وطورا جمالا يستغرق الوجود كله، والذي عبر عنه بأعمق ما يكون وأوجزه الآفاق والأنفس . إن ذلك التكثيف في الحض على التعقل بمفرداته المتنوعة يرفعه إلى درجة الفريضة وهي من أسف فريضة غائبة أو مغيبة ويكرس غيابها في اعتقادي ركوننا إلى فلسفة الواجب وتغليبها على فلسفة الحق، إضافة إلى مجموعة سلطات كفت عقولنا عن النظر وأيدينا عن العمل وآليات الحجب والمنع والاقصاء والاستبعاد للمقاربات التجديدية النقدية، ونتيجتها اللازمة التعطيل لكل فاعلة وابداع وتطوير، ولكن هل للعقل أن يشتغل في الأسر وبعيدا عن فضاء الحرية ؟

2 ـ ضمان الحرية: أو الاشارة إلى أن الحرية حق وليست معطى ناجزا بل تنجز وتتحقق من خلال عملية الكدح الفردي والجماعي، والحرية مقصد من مقاصد الشرع، قال تعالى (يضع عنهم اصرهم والأغلال ... ) والضمير في يضع راجع إلى الرسول (ص) فيما يحمله من رسالة .

ومما لا شك فيه أن هناك العديد من السلطات التي تعارض وتنافي تنجز التحرر، منها البيولوجي والاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي، فهي جميعا تعمل على قهر الانسان واستعباده إلا أن هذه السلطات لا صفة جبرية لها مع وجود الارادة والقدرة على الاختيار اللذين حيي بهما الانسان والقدرة على الاختيار تفترض التعدد والأختلاف وهما مظهران للثراء والغنى إذا ما عرفنا كيف ندير الاختلاف دون تحويله إلى خلاف واصطراع .

وبمعنى آخر الحرية لا تعني فقط حقنا في القول والاعتقاد والتعبير والعمل، بل الاعتراف بحق الآخر المختلف والمغاير في كل ذلك أيضا والقبول به .والحرية ثقافة وهي الأرضية الخصبة للإبداع والفضاء الرحب للإجتهاد والابتكار وضمان فاعلية العقل ومفجرة الطاقات والاستعدادات والكوامن الانسانية، أي أنها ما لم تتحول إلى جزء من شخصيتنا الفردية والجماعية وظلت مقولات تلوكها الألسن دون تسييلها على أرض الواقع والممارسة، فلا يمكن اطلاق تسمية الحرية عليها، ةلأعطت خلاف نتائج الحرية بل هي أخطر من الكبت والقمع السافرين .

ما تقدم اقرار بأن العقل والحرية شرطان ضروريان للنهوض الحضاري ولكن هل هما كافيان ؟

إن مآلات الحضارة الراهنة لشاهدة على ضرورتهما، بل هي في ظل غياب الشرط الثالث شهيدتهما، ويكفي في الدلالة على صوابية ما نذهب إليه أن منجزات الحضارة الفذة أدت للانسانية خدمات جليلة، تحمل بذور فنائها وزوالها دون أن تتيح الفرصة لقيام حضارة بديلة، إذ أن تهديدها يطال الكوكب برمته وما عليه، صحيح أن منجزات الحضارة التكنولوجية والمعلوماتية والجينية، على سبيل المثال، وفرت للبشرية مزيدا من الراحة والرفاهية وقربت لمسافات والحدود ورفعت الحواجز بين الناس وقضت على العديد من الأمراض وهي تعد بالمزيد، إلا أنه من ناحية أخرى أخلت بالتوازن البيئي للكوكب، وتهدد بدماره بما أنتجته من أسلحة دمار نووي وكيماوي وجرثومي، وبدا ان تعم خيرات الثروة والعلم والطبابة والرفاه في العالم فإنه يزداد انقساما وتتسع الهوة بين عالمين، عالم يمتلك كل شيء يمثل 2% من مجموع سكان العالم وعالم متسلب ومجرد من كل شيء يمثل 98% من سكان العالم، وبدل أن يكون هدف الانسان التقدم والتطور التقني والعلمي أصبح في خدمته، فاستلبت انسانيته وتحول مجرد مستهلك وقلق لا فاعل .

إن تدارك هذا الخطر الداهم على الحضارة والانسان غير ممكن دون الشرط الثالث وأعني به الأخلاق، ومما لا شك فيه أن الأخلاق بما هي قيم انسانية عامة مقصد أساسي من مقاصد الشرع كما جاء في الحديث (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) فالأخلاق هي البوصلة التيي تتيح إعادة توجيه المركبة التي تقلنا جميعا وجهتها الصحيحة، وليست المشكلة في منجزات الحضارة أو العلم، أو الابداع الانساني، بل في سوء استخدام هذه المنجزات من قبل الانسان، وفي استغلاله الوحشي للطبيعة والتعدي على قوانينها، وعدم احترام الآخر وحقوقه، ومادية الربح السريع وتحقيق المكاسب الآنية، الشخصية والفئوية على حساب البشرية جمعاء، إنه الجشع والطمع البشريين أنه طغيان وتغول الأنا والخروج على الوسطية والاعتدال السوية في التعاطي مع الذات ومع الآخر .

(*) رئيسة تحرير مجلة"المنطلق الجديد"اللبنانية

نقلا: عن منتدى القرآن www.montadaalqu صلى الله عليه وسلم an.com

مآلات الحضارة

د. مصلح عبد الحي النجار

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت