فهرس الكتاب

الصفحة 2060 من 2255

أهو سيل المعلومات الجارف والمتدفق إلينا عبر وسائل الاتصال التي أتاحتها ثورتي الاتصالات والمعلومات، والتي حولت كوكبنا إلى قرية صغيرة تنتقل فيها المعلومات والصور والبضائع والسلع والأفكار والقيم مخيلة إيانا بلا حول ولا قوة إزاءها ؟ أم أن مصدرها الغياب التام للنتاج الاسلامي الذي يمكن أن يرد على تساؤلات الشباب وقلقه وتطلعاته وطموحاته ؟

ثالثا: هل الأزمة المشار إليها خاصة بالجيل الجديد دون سواه من الأجيال؟ وهل هي ابنة اليوم ووليدة العصر أم أنها متجذرة تطفوا على السطح مع اشتداد المواجهة الحضارية مع الآخر وتخبو بخبوها؟

أزعم أن المأزق الذي نتنادى اليوم للخروج منه والبحث عن سبل مواجهته، مأزق جديد قديم، جديد بمعطياته، وطروحاته، متجذر بإشكالياته ووجوده، وإذا أردنا ألا نخوض بعيدا في البدايات الأولى له، واقتصرنا على تاريخنا القريب، أقصد بداية ما سمي بعصر النهضة العربية، لوجدنا أن الوعي العربي الاسلامي قد تحرك كرد فعل على الزلزال الذي أحدثته المواجهة الحضارية مع الآخر، أي الغرب، بعيد الغزو الأوروبي للعالم الاسلامي، وتحديدا مع الحملة الفرنسية على مصر بقيادة نابليون بونابرت، عام 1798، وقد كان لعامل اللقاء بين الأنا والآخر تداعيات على المستوى الداخلي للأمة، صبغ بصبغها واقعنا وسجلاتنا الفكرية ولا يزال، كما كشفنا أننا نرى إلا ذاتنا ولا نسمع غير صوتنا والتي اطلنا النوم على حرير أمجادها، وكأننا لم نسمع إلى قوله تعالى ( تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون ) .

ما تقدم لا يعني بالضرورة أن لكل لقاء بين الأنا والآخر لقاء درامي مأزقي، بل ما يحدد طبيعته هو دافع الذوات المتقابلة في اللحظة التاريخية المعينة .

لقد شهد التاريخ العديد من المواجهات الحضارية، ومن المعلوم أن لا حضارة تنشأ وتزدهر بمعزل واستقلال عما سبقها أو يحيطها من الحضارات، بل تتفاعل وتتلاقح معها، وتضيف إليها من عندياتها، مع الحفاظ على التمايز الحضاري لكل شعب، ويكفي في هذا السياق أن نذكر تفاعل المسلمين الأوائل وانفتاحهم على الحضارات اليونانية والفارسية والهندية آنذاك كانت الذات الاسلامية في أوج نشاطها الروحي والمادي والعقلي، وتعاطت بوعي وحرية ولا عقد مع الآخر، بل شكرت له انجازه، واعترفت له بفضل السبق فيما سبق إليه .

بالانتقال إلى الحاضر، ما هي الصورة التي يتبدى عليها العالم ؟ وما موقعنا منه وفيه؟

لقد شهد القرن الأخير ثورات ومنعطفات خطيرة وهامة على كافة الصعد السياسية والاقتصادية والفكرية والعلمية غيرت معالم كوكبنا تماما، حتى المفاهيم والمعارف التي طالما ركنا إليها انمحت من معاجم تداولنا، لا سيما مع ثورتي الاتصالات والمعلومات اللتين شهدتا تناميا متسارعا في العقود الخمسة الأخيرة، فأزالت الحدود والحواجز بين الجماعات والأفراد والدول، وغيرت مفاهيم الزمان والمكان والعمل مع ما يستتبع ذلك من انقلاب على القيم والسلوكيات والتعاملات الانسانية الفردية والعامة في شتى الميادين . فأين نحن من كل هذا ؟

من الجلي أن أزمتنا مضاعفة، وسببها ذلك الفصام بين سلوكنا وتعاليمنا من جهة أفكارنا من جهة أخرى، نحيا في عصر ونفكر في عقلية عصر آخر. ولا شك أننا ورثة حضارة عريقة أدت للإنسانية وللحضارة الكثير، إلا أن السؤال الذي يلح هو ما فعلنا بهذا الإرث؟

ولا شك أننا أيضا مستهلكين لمنتجات الحضارة الراهنة، ولكن هل لنا موقع قدم على سلمها ؟ هل نحن شركاء فيها؟

أزعم أن السلبية هي سمة علاقتنا مع الماضي الراهن، مع التراث والحداثة، وفي أحسن الأحوال فنحن مستهلكون لمنتجات الحضارة الراهنة والتراث معا، ومقلدون بامتياز دون الالتفات إلى نفعية أو صلاحية ما نستهلك ونقلد .والحضارات بمكوناتها الروحية والمادية لا تعدو كونها تلك الاضافات والاستجابات التي يبدعها الانسان ويجترحها للرد على المشكلات والتحديات التي تواجهه، وهي تزول وتضمحل عندما تكف عن ذلك .

والفعل الحضاري وتاريخ الحضارات ليس تاريخ أشخاص أو أفراد، بل هو فعل تشاركي ينهض به المجتمع ككل، وليس حكرا على فئة أو جنس أو جيل، فهل يطبق علينا هذا التوصيف؟

نحن جميعا كمسلمين، نصبو إلى بديل اسلامي حضاري اسلامي فاعل ينهض بالأمة وبالإنسان عامة، ولهذا النهوض شروطه الروحية والمادية اللازمة وهو يستحيل دون تحققها وتوفرها، والبديل الإسلامي يفترض أولا الاشتغال على الذات والتواصل مع الارث تواصلا فاعلا متجددا، والإرث الأهم هو القرآن الكريم وهو حجر الأساس في بناء عمارتنا الحضارية ومائزنا عن سوانا .

أجمع المسلمون على أن المرجعية الأساس التشريعية والقيمية والعقدية هي القرآن، وإن القرآن نص مفتوح على فضاء التأويلات والقراءات والاجتهادات الانسانية في كل مكان وزمان باعتباره رسالة للعالمين هدى وتربية وتزكية وتعليما وطريقة ومنهاجا لتحقيق الاستقامة والعدل على المستويين الفردي والاجتماعي، ومركز قطبها جميعا، وغايتها التوحيد المتمظهر في العبودية لله رب العالمين .

فهل يمكن الكلام عن البديل الاسلامي دون فهم الرسالة وإدراك مقاصد الشرع؟

أو دون فهم المرسل إليه وقدراته واستعداداته وكوامن طاقاته وحاجاته وتطلعاته وتساؤلاته؟

أو دون توفير الشروط اللازمة لتسييل الفكر إلى عمل؟

وهل يصح طرح البديل الإسلامي دون معرفة بالزمان والمكان؟

هذا الكم الهائل من الأسئلة والإشكاليات المطروحة تحتاج مقاربتها إلى تضافر الجهود وتشاور العقول وتشاركها، ويبقى السؤال مفتاح المعرفة، ومحرض العقل على التفكر وقادح زناده .

ولأن ما هو موجود غير شاف لا شكلا ولا مضمونا لتقادمه وعرفيا ومنهجيا، نجدنا اليوم بأمس الحاجة إلى تجديد النظر في المرجعيات والأصول المعتبرة وإعادة قراءتها بعين العصر وروحه ومعارفه ومنهجياته وأدواته وفي ضوء مشكلاته وتحدياته، أستدرك هنا للتأكيد على أن مقالتي هذه ليست دعوة إلى القطيعة مع التراث ونتاج الأسلاف الغني، بل هي دعوة إلى الإضافة والاستفادة والاستزادة من منجزاته للاشتغال عليه وفيه اشتغالا صاقلا وناقدا، إنها دعوة لتشييد البنى القوية الاسلامية على بنية تحتية جامعة تستنطق مقاصد الشرع من النص القرآني ليرفع فوقها الصرح المعرفي الاسلامي من كلام وفقه وتفسير وسواها من العلوم الاسلامية، إنها دعوة لمقاربة مقاصد الشريعة وأهداف الدين والتي أرادها المولى عز وجل من وراء ارسال الرسل والرسالات، والتي جعلت الأحكام طرقا وسبلا .

أقول هذا لأن الآية انقلبت فالواقع الاجتهادي مثلا يتحرك وكأن الأحكام مقصودة لذاتها لا لغرض ورائها، ومعلوم ما من حكم إلا وتقبع خلفه حكمة، وكل فعل إنما يكون لغرض وكذلك كل أمر ونهي، وأجرؤ على القول إن كثيرا من الأحكام الجزئية والتشريعات الاجتهادية وقد تناست المقاصد أتت متناقضة مع الغاية والهدف المفترض لها .

وبمعنى آخر سقط الجوهر عن طريق التمسك بالجزئي والقشري، فتحول السجود مثلا إلى استقرار الأعضاء وهو تجلي التوحيد في العبودية الحرة لرب العالمين في لأرقى أشكاله . وتحول الزواج إلى عقد يتملك الرجل فيه بضع المرأة وقد جعل المولى غايته السكن المشروط بالمودة والرحمة، ومعلوم ما للروتين من آثار ومترتبات متباينة أشد التباين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت