وأما الدليل على أن عيسى ( يمكث بين المسلمين أربعين سنة .. ثم يتوفاه الله تعالى .. ثم يأتي أمر الله فيرسل ريحًًا كريح المسك مسها مس الحرير تقبض أرواح المؤمنين .. ثم تقوم القيامة على شرار الخلق، فهو لقوله ( المتقدم:"فيمكث في الأرض أربعين سنة ثم يُتوفى فيُصلي عليه المسلمون".
... ولقوله (:"فبينما هم كذلك ـ أي في النعيم الذي عم وساد بعد الحرب مع الدجال وهلاك يأجوج ومأجوج ـ إذ بعث الله ريحًا طيبة فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض روح كل مؤمنٍ وكل مسلم، ويبقى شرارُ الناس يتهارجون فيها تهارُج الحمُر، فعليهم تقوم الساعة"مسلم. ...
ولقوله (:"إن الله يبعث ريحًا من اليمن ألين من الحرير، فلا تدع أحدًا في قلبه مثقال ذرةٍ من إيمان إلا قبضته"مسلم.
وعن عبد الرحمن بن شُماسَة المهري قال: كنت عند مَسْلَمَةَ بنُ مُخَلَّدٍ وعنده عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال عبد الله: لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق هم شر من أهل الجاهلية لا يدعون الله بشيء إلا ردَّه عليهم. فبينما هم على ذلك أقبل عُقبةُ بنُ عامرٍ فقال له مَسلمة: يا عُقبةُ اسمع ما يقول عبد الله. فقال عقبة: هو أعلم، وأما أنا فسمعت رسولَ الله ( يقول:"لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك"، فقال عبد الله: أجل ثم يبعث الله ريحًا كريح المسك مَسُّهَا مَسُّ الحرير فلا تَترُكُ نفسًا في قلبه مثقال حبة من إيمانٍ إلا قبضته، ثم يبقى شرارُ الناس عليهم تقوم الساعةُ"مسلم."
... فيكون المراد من قوله (:"إلى يوم القيامة"؛ أي"أنهم لا يزالون على الحق حتى تقبضهم هذه الريح اللينة قرب القيامة وعند تظاهر أشراطها، فأطلق في هذا الحديث بقاءهم إلى قيام الساعة على أشراطها ودنوها المتناهي في القرب، والله أعلم" [(3) ] .
... وبعد، هذا هو مبدأ الصراع .. وهذا هو منتهاه .. وهذه هي حقيقته .. راياته واضحة المعالم لا غموض فيها ولا التباس .. لا مجال للجحود أو النكران أو التأويل أو الهروب .. لا بد للأمة ـ إن أرادت أن تستأنف حياة عزها ومجدها وسؤدُدِها من جديد ـ من أن تروِّض نفسها لكي تتحمل مسؤولياتها كاملة تجاه دينها .. وأرضها .. وحرماتها .. ووجودها .. والعالم أجمعين .. وإلا فلتروض نفسها لقبول مزيدٍ من الذل والخنوع والنكبات، ومزيد من دفع الضرائب الباهظة المكلفة للباطل وأهله؛ تدفعها من دينها، وأبنائها، وعِرضها، وعزتها، وكرامتها، وأوطانها، ومالها، ووجودها، وحريتها .. على موائد وشهوات ورغبات الطواغيت الظالمين الآثمين .. والأعظم من ذلك كله أنها بذلك تُعرِّض نفسها لغضب الرب ( وسخطه وعذابه ( يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ . إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (الشعراء:88-89.
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (المائدة:54.
اللهُمَّ إنِّي قد بلَّغتُ فاشهَدْ .. اللهُمَّ إنِّي قد بلَّغتُ فاشهَدْ.
وصلى الله على سيدنا ونبينا وقائدنا ومعلمنا وحبيبنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين."أبو بصير"
الإسلام … والحضارة
أتريدون أن ترجعوا بنا ألف سنة إلى الوراء .. إلى عهد الخيام ؟
لقد كان الإسلام صالحًا لأولئك الحفاة الجفاة من الأعراب قبل ألف عام . وكانت سذاجته وبدائيته مناسبة للبيئة البدوية التي نشأ فيها . أما اليوم فهل يصلح في عهد المدنية والحضارة الآلية ؟ عصر الطائرات الصاروخية والقنابل الهيدروجينية وناطحات السحاب والسينما المجسمة ؟ !
إنه دين جامد لا يتفاعل مع الحضارة الحديثة ، ولا مناص من نبذه إذا أردنا أن نتحضر كبقية خلق الله !
شبهة غبية لا يقول بها أحد درس تاريخ هذا الدين . وإلا فأين ومتى وقف الإسلام في طريق الحضارة ؟
لقد نزل الإسلام - فيما نزل - في قوم نصفهم من الأعراب ، بلغ من جفوتهم وغلظة قلوبهم أن يقول فيهم القرآن:"الأعراب أشد كفرًا ونفاقًا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله"فكانت معجزته العظمى أن جعل من هؤلاء الغلاظ الجفاة أمة من الآدميين ، لا يكتفون بأنهم اهتدوا بهدى الله فارتفعوا من حيوانيتهم إلى آفاق الإنسانية الرفيعة ، بل أصبحوا هم أنفسهم هداة البشرية يدعونها إلى هدى الله . وذلك وحده برهان على ما في هذا الدين من قدرة عجيبة على تحضير الناس وتهذيب النفوس .
ولكن الإسلام لم يكتف بهذا العمل الجبار في داخل النفوس . وهو العملية الحقيقية التي تستأهل الجهد وتستحق التسجيل ، لأنها الهدف الأخير من كل المدنيات والحضارات .. لم يكتف الإسلام بهذا التهذيب العميق للأفكار والمشاعر ، بل ضم إليه كل مظاهر المدنية التي يهتم بها الناس اليوم ويحسبونها لباب الحياة ، فتبنّى كل الحضارات التي وجدها في البلاد المفتوحة في مصر وفارس وبلاد الروم ، ما دامت لا تخالف عقيدته في وحدانية الله ولا تصرف الناس عن الخير الواجب لعباد الله . ثم تبنّى كل الحركة العلمية التي كانت لدى اليونان من طب وفلك ورياضة وطبيعة وكيمياء وفلسفة ، ثم أضاف إليها صفحات جديدة تشهد بتعمق المسلمين في البحث ، واشتغالهم الجدي بالعلم ، حتى كانت خلاصة ذلك كله في الأندلس هي التي قامت عليها نهضة أوربا الحديثة وفتوحاتها في العلم والاختراع .
فمتى ؟ متى وقف الإسلام في وجه حضارة نافعة للناس ؟
أما موقف الإسلام من الحضارة الغربية السائدة اليوم فهو موقفه من كل حضارة سابقة. يتقبل كل ما تستطيع أن تمنحه من خير ، ويرفض ما فيها من شرور . فهو لا يدعو - ولم يدع قط - إلى عزلة علمية أو مادية ، ولا يعادي الحضارات الأخرى معاداة شخصية أو عنصرية ، لإيمانه بوحدة البشرية واتصال الوشائج بين البشر من جميع الأجناس وجميع الاتجاهات .