فهرس الكتاب

الصفحة 1767 من 2255

قال أبو هريرة رضي الله عنه: (بينا النبي صلى الله عليه وسلم يصلي العشاء، إذ قال: سمع الله لمن حمده، ثم قال قبل أن يسجد: اللهم نج عياش بن أبي ربيعة، اللهم نج سلمة بن هشام، اللهم نج الوليد بن الوليد، اللهم نج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها سنين كسني يوسف) [متفق عليه من طريق يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة] .

إن هؤلاء الأسرى خرجوا من ديارهم وأموالهم لنصرة إخوانهم والدفاع عن دينهم والذب عن أعراضهم، فكان لهم حق علينا أن نقف معهم في محنتهم، وأن نسترخص كل شيء في نصرتهم، وأي مصيبة أعظم من أن يقع مجاهد في سبيل الله تحت وطأة علوج النصارى الحاقدين، وبعض من هؤلاء على هزيع من المأساة الطويلة الشاقة، لقد نقلوا إلى هنالك بعد أن حلق هؤلاء الأراذل رؤوسهم ولحاهم وجردوهم من ملابسهم، وأوثقوهم من هامة رؤوسهم إلى أخمص أقدامهم، وعصبوا عيونهم، ووضعوهم في أقفاصٍ حديدية لا يخرجون منها لقضاء حوائجهم في اليوم إلا مرة، وللتحقيق مرات عديدة، يخرجون وقد كبلوا اليدين والأرجل، يعيشون تحت حرارة شمس كوبا الشديدة، تعذيبهم متواصل في الليل والنهار، فهم في الليل تحت الأضواء الكاشفة، فمتى ينامون، وأنّى لهم أن يتلذذوا بطعام أو شراب وهم يعانون من التعذيب، نسأل الله أن ينصرهم ويحفظهم.

وبلا ريب أن العاقبة والدائرة لهم لا عليهم: {وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} .

وقد أجاد من قال:

فلا عجب للأسد إن ظفرت بها ... ... كلاب الأعادي من فصيح وأعجم

فحربة وحشي سقت حمزة الردى ... ... وموت علي من حسام ابن ملجم

وفي الوقت الذي نحث فيه المسلمين على مناصرة أسراهم، وبذل أموالهم في تخليصهم، نحذر الحكومات العربية، والمنسوبين إلى الإسلام من التعاون مع الصليبيين في مطاردة المجاهدين، والقبض عليهم، وتسليمهم إلى رأس الكفر العالمي أمريكا، فهذا شأن المنافقين، وعمل الشياطين، ولا يختلف العلماء في المشرق والمغرب؛ أن هذا كفر بالله لاينفع معه صلاة ولا صيام، إلا من تاب وآمن وعمل عملًا صالحًا.

قال الإمام أبو محمد بن حزم رحمه الله في كتابه"المحلى" [12/33] : (صح أن قول الله تعالى {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} ؛ إنما هو على ظاهره بأنه كافر من جملة الكفار فقط، وهذا حق لا يختلف فيه اثنان من المسلمين) .

وقد سمى الله ذلك كفرًا ونفاقًا ومرضًا في القلوب، وفسقًا، قال الله تعالى: {بَشِّرْ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا. الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمْ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} ، وقال تعالى: {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ} ، وقال تعالى: {تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ. وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} .

قال الحافظ ابن جرير: (فإن من تولاهم ونصرهم على المؤمنين فهو من أهل دينهم وملتهم، فإنه لا يتولى متولٍ أحدًا إلا وهو به وبدينه وما هو عليه راضٍ، وإذا رضيه ورضي دينه فقد عادى ما خالفه وسخطه وصار حُكْمُهُ حُكْمَه) [تفسير الطبري: 1/400] .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في"الفتاوى" [28/530] : (كل من قفز إليهم - التتار - من أمراء العساكر وغير الأمراء فحكمه حكمهم، وفيهم من الردة عن شرائع الإسلام بقدر ما ارتد عنه من شرائع الإسلام، وإذا كان السلف يسمون مانعي الزكاة مرتدين، مع كونهم يصومون ويصلون، ولم يكونوا يقاتلون جماعة المسلمين، فكيف بمن صار مع أعداء الله ورسوله، قاتلًا للمسلمين؟) .

وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: (الناقض الثامن من نواقض الإسلام؛ مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين) .

وقد أضافت المرجئة في كفر المظاهر؛ شرطًا زائدًا على ما دل عليه الكتاب والسنة والإجماع، وقيدوا هذا الكفر بمحبة دين الكفار، أو الرضى بذلك، وهذا ليس بشيء، ولا يقوله أحد من أهل السنة، ولا يوجد في مصنفاتهم ولا تراه منقولًا عن أئمتهم، فالأمة مجمعة على أن محبة دين الكفار أو الرضى بدينهم؛ كفر أكبر، دون مناصرتهم على المسلمين، فهذا مناط آخر في الكفر، قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} .

والويل لهؤلاء حين يبعثر ما في القبور، ويحصل ما في الصدور، وقد عبثوا بالأدلة الشرعية، وحرفوا النصوص القطعية، استجابة للمفسدين في الأرض، وموافقة لسياستهم الشيطانية.

كتبه

سليمان بن ناصر بن عبد الله العلوان

القصيم، بريدة

28/7/1423 هـ

التغريب والاغتراب

[الكاتب: محمد محمد بدري]

كانت الحصيلة المُرة التي خرج بها الصليبيون من حروبهم مع المسلمين سببًا في أن تعي القوى المتربصة بالأمة الإسلامية الدرس جيدًا، وتدرك أنه لن يكفي ضرب الأداة العسكرية لهذه الأمة لكي تسقط... بل لا بد من ضرب قوتها الحقيقية عبر اقتلاع عقيدتها، وتدمير هويّتها، وتزييف وعيها... حتى لا تكون هذه القوة... العقيدة... الهويّة... الوعي سببًا في أن تقوم هذه الأمة من تحت رماد السقوط كنار عملاقة تحرق في طريقها كل الأعداء...

ولقد ابتدأ الأعداء أولى خطوات الخطة المرسومة بعمليتّي هدم وبناء! هدم لمعالم الشخصية الإسلامية، وبناء لمعالم الشخصية الأوربية الغربية... وهو ما أطلق عليه لفظة التغريب... وقّصِد به طبع المسلمين بطابع الحضارة الغربية والثقافة الغربية، وليتحول انتماء المسلم من الانتماء إلى الإسلام... إلى الانتماء إلى الغرب، فلا يرى الأشياء إلا كما يراها الغربي، ولا يتذوّقها ولا يقدّرها إلا كما يقدرها... فتتحول الأمة الإسلامية إلى التبعية المطلقة للغرب، وتصبح ذيلًا لدول الاستعباد الغربي!

وإذا صارت الأمة إلى هذه التبعية المطلقة للغرب فإنها لا تشعر بالرغبة في الانفصال عنه، فضلًا عن جهاده ومقاومته...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت