فهرس الكتاب
ومن هنا فإن تبنِّي الأمة المشروع الحضاري سيُسهم بأفعال لا بردود أفعال إلى مواجهة هذه الحملة وأبعادها بالأساليب الحضارية الهادفة إلى تثبيت هوية الأمة وتفعيل دورها من حيث كونُها أمة الخيرية والرحمة والشهادة على العالمين، وإبراز دورها الحضاري، وحقِّها التأريخي، ووجهها المشرق، وتصحيح الصورة المغلوطة على الإسلام وأهله، وتوعية الأمة بخطورة الحملة ضدَّ دينها وثوابتها وبلادها ومقدساتها، والسعي في إصلاح أحوالها وتفادي أزماتها بتقوية عقيدتها بربها، والتلاحم الصادق بين قياداتها وشعوبها، والمطالبة بتجاوز خلافاتها الجانبية ومعاركها الوهمية، والتوحُّد في وجه الطوفان الكاسح الذي يسعى لاجتياح الجميع، وأن يتم تنسيق الجهود بسدِّ جميع الثغرات التي ينفذ منها المصطادون بالمياه العكرة. والحاجةُ ملحَّة لمقابلة الحملة بنفسِ وسائلها، وإلى وضع برنامج علمي إعلامي مدروس، يتَّسم بحسن العرض، وأسلوبِ الخطاب المتمثِّل في قول الحق تبارك وتعالى: وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا [البقرة:83] ، وَقُل لّعِبَادِى يَقُولُواْ الَّتِى هِىَ أَحْسَنُ [الإسراء:53] ، وَجَادِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ [النحل125] ، والحوارِ الحضاري للعالم بلغاته الحية، وتوضيح الحقائق أمامه، وبيان خطورة الحملات الظالمة، وما تجره من استعداء العالم، وإعلاءِ لهجة الحقد والكراهية والتمييز، وما تجره من شقاء على الإنسانية. والحق أن غياب الإعلام الإسلامي الهادف ومواكبة التطور التقاني، واستثمار القنوات الإعلامية الفضائية والشبكات المعلوماتية الإلكترونية كان من أكبر العوائق لوصول الكلمة الرصينة والحوار الهادف إلى العالم، فهل يعي رجال الإعلام والأعمالِ في الأمة حقيقة دورهم، ووجوب إسهامهم في هذا المشروع الحضاري دفاعًا عن دينهم وأمتهم وبلادهم؟! وهل يحسِن علماء الشريعة ودعاةُ الإسلام عرضَ ما لديهم من حقٍّ وثوابت، مرتبطًا بالمبادئ والغايات، والمصالح والقيم والأخلاقيات، والآداب والشرائع والجماليات، في تنسيقٍ للجهود وسلامة للصدور، وبعدٍ عن غوائل الشرور، ومراعاة للأولويات، وحسن تعامل مع المتغيرات المرتبطة بالوسائل والأساليب، حتى تقام الحجة، وتتضح المحجة، فالحق يعلو ولا يُعلى عليه.
وفي طلعة البدر ما يغنيك عن زُحَلِ
فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِى الأرْضِ كَذالِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ [الرعد17] .
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، وبسنة نبيه محمد ، إِنَّ رَبّى لَطِيفٌ لّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [يوسف:100] .
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، أحمدك ربي وأشكرك على إنعامك وإحسانك وتوفيقك وامتنانك، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله، بعثه بالحق بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، فإنها خير شعار، وأفضل دثار، وبها النجاة من سخط الجبار، ودخول الجنة دار القرار، وعليكم بالجماعة، فهي طريق الأخيار، وحاذروا مسالك الأشرار والفجار.
أيها الإخوة في الله، من ملامح هذا المشروع الحضاري ومعالمه وركائزه ليرسُم طريق الخلاص للعالم من الواقع البئيس الذي يعيشه أنه ربانيٌّ عالمي، وسطيُّ سلفي، أخلاقي إنساني حضاري، إيجابي شمولي واقعي، ترتبط الأصالة فيه بالمعاصرة، يلتزم المصداقية بلا تضخيم، والواقعية بلا انهزامية، والشفافية بلا تهريج، الإنصافُ رائده، والعدل حاديه، والتسامح أسلوبه وقالَبه، يعمل على حشذ الطاقات في الأمة لا على تبديدها، يسلك مسالكَ الإخلاص للخالق، والرفق والرحمة بالمخلوقين، يتَّسم بالعقل والتسامح والحكمة، ويحاذر الصلَف والعنف والتهوُّر والشطط، وبذلك تحقِّق أمتنا الريادةَ الحضارية، وتستعيد أمجادها التأريخية، وتتخلص من أزماتها الخانقة، وتصلُح أوضاعها المتردية بإذن الله.
أيها الإخوة في الله، ولعل أُولى الخطوات في ذلك الرجوع إلى الذات، ومحاسبة النفس، والوقوف طويلًا للمراجعات، تصحيحًا في المعتقد، وسموًّا في الخلق والسجايا، وسلامة في الاتباع، ومحاذرةً للابتداع، ومعالجةً لجوانب النقص التي دخلت على الأمة في عقيدتها ومنهجها، وأن تلتزم الأمة نورَ الوحيين، ومنهجَ القرون المفضلة، وأن لا تجعل من أيامٍ وليالٍ مخصوصةٍ مناسبات وعبادات لم يكن عليها سلف هذه الأمة رحمهم الله، كما يعتقده بعض الناس في شهر رجب وليلة السابع والعشرين منه، يقول الإمام الحافظ ابن حجر عليه رحمه الله:"لم يصحَّ في فضل شهر رجب ولا في ليلة معنية منه لا ليلة سبع وعشرين ولا غيرها حديثٌ صحيح يصلح للحجة، ولو صحَّ لم يجز تخصيصُها بعبادةٍ لم يكن عليها رسول الهدى وأصحابه، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه"، وبمثله قال جمع من المحققين كشيخ الإسلام ابن تيمية والحافظ ابن رجب والشوكاني وآخرين.
فيا أمة محمد ، إنها فرصةٌ للحوار مع الذات، فهي البنية التحتية للحوار مع الآخر، وما لم تُصلح الأمة ما بينها وبين ربها وما لم تتصالح فئاتُها وفعالياتها على الكتاب والسنة لن تستطيع أن تتصالح مع الآخرين، فضلًا أن تقدم ذلك للعالم بأسره.
إن الفرصةَ متاحة للأمة في طرح ما لديها من عقيدة وموروث حضاري للعالم بأسره، ولا يُفتُّ في عضدها كثرةُ الفتن والابتلاءات، فهي الطريق إلى المعالي والمكرمات، وإن في طيات المحن لمنحًا، وفي ثنايا البلايا والرزايا مننًا وعطايًا، فاللهَ الله في العمل الجاد، والجهد الفاعل البناء، ووضع آلياتٍ عملية ودراسات ومراكز أبحاث استراتيجية بعيدة المدى لمواجهة هذه الحملات المغرضة، وكان الله في عون العاملين المخلصين لدينهم وأمتهم ومجتمعهم وبلادهم، إنه جواد كريم.
إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِى إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود:88] .
ألا وصلوا وسلموا ـ رحمكم الله ـ على الرحمة المهداة والنعمة المسداة نبيكم محمد بن عبد الله، فقد أمركم بذلك ربكم جل في علاه، فقال تعالى قولًا كريمًا: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىّ ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .
اللهم صل وسلم وبارك على نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، وارض اللهم عن آله الأطهار وصحابته الأبرار المهاجرين منهم والأنصار...
الحضارة الغائبة والحضارة الكاذبة
عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ
الرياض
جامع الإمام تركي بن عبد الله
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-النعمة العظمى. 2- محاسن الإسلام. 3- العرب قبل الإسلام. 4- العرب في الإسلام. 5- كذب الحضارة الغربية. 6- عدل الإسلام ورحمته في السلم والحرب. 7- أوضاع المسلمين المزرية. 8- جواب من يسألون عن الجهاد.
الخطبة الأولى
أمّا بعد: فيا أيّها النّاس، اتّقوا الله تعالى حقَّ التّقوى.