يقترب هذا الاتجاه الفكري في رؤيته العامة من طرح المدرسة الإصلاحية التي كانت في بداية القرن الماضي ونهاية القرن السابق، والتي كانت تدعو في لحظات المواجهة مع القوة الاستعمارية الغازية إلى بناء القوة الذاتية للأمة؛ لأنها هي القادرة على مواجهة الاستعمار، وإلى معالجة المشكلات الثقافية والاجتماعية التي تحول دون التطور الذاتي، وكانت هذه المدرسة تسعى إلى النهضة التعليمية والفكرية والثقافية والاقتصادية، التي تصلح شأن الأمة وتقوي عوامل الممانعة فيها ضد الأمراض الذاتية التي تتيح الفرصة للمستعمر الغازي وللفساد الداخلي، وكان تأكيد واهتمام هذه المدرسة ينصب على مواجهة التخلف والعمل على النهوض الحضاري.
ثم جاء مالك بن نبي فيما بعد وطوّر مفهوم"القابلية للاستعمار"، ووضع نظرية النهضة وشروطها، في محاولة للفت الانتباه إلى أنّ المشكلة ليست سياسية، وإنما ثقافية حضارية، وأن مشاكل الأمة تحل عندما يتحرر الإنسان العربي من السلبية واللافاعلية إلى العطاء والصناعة والإنتاج.
لقد انخفض صوت هذا الاتجاه كثيرا في النصف الثاني من القرن العشرين أثناء مرحلة الاستقطابات والصراعات السياسية/الأيدلوجية الداخلية، ثم عاد ليقوى ويتعزز مع نهاية الحرب الباردة، وإخفاق الدول العربية في صراعها مع الكيان الصهيوني ومع التنمية في الداخل، وظهر زخم كبير له في السنوات الأخيرة مع عودة العديد من الباحثين والمؤسسات العلمية لقراءة عصر النهضة. وجاء تقرير التنمية الإنسانية في العالم العربي أخيرا ليعزز ويؤكد مقولات هذا الاتجاه من الإخفاق الشديد للعالم العربي في معالجة قضاياه ومشكلاته الذاتية .
وفي الوقت الذي لا يرى فيه هذا الاتجاه أن حل مشكلات العالم العربي يأتي من خلال الحملة الأمريكية، ويرفض أيضًا قبول أن الحل بالاتجاه غربا وإدارة الظهر للتراث والهوية، فإنه في المقابل يرفض مقولات مدرسة التبعية بتحميل الاستعمار كل مشكلات العالم العربي، ويرى أنّ الأسباب الداخلية هي التي أوجدت هذه المشكلات فضلًا عن الأسباب الخارجية، ويرى هذا الاتجاه أن الحل يكمن بالسعي للنهضة الحضارية والثقافية والاجتماعية لمواجهة التخلف بعيدا عن الصراعات السياسية التناحرية الداخلية التي أفقدت الشعوب العربية كثيرا من طاقاتها .
ويرى هذا الاتجاه أنّ المشروع الأمريكي والحملة على العراق تأتي لتكشف عن أعراض ونتائج المرض وليس أسبابه، وبالتالي مواجهتها تكون بالمراجعة الذاتية للحضارة العربية، والسعي نحو التقدم والخروج من حالة التخلف، ويرى هذا الاتجاه أن مقاومة ومواجهة المشروع الأمريكي تتم في بناء عناصر القوة الذاتية للأمة، فالجزائر خاضت حرب التحرير ضد المستعمر، وقدمت مئات الآلاف من الشهداء، لكنها تعود اليوم لتقف على أبواب صندوق النقد الدولي والدول الأوروبية طلبا للمساعدة في إدارة شؤونها الداخلية، والدول العربية لم تزد بعد الاستقلال إلاّ بؤسا وإهدارًا للثروات، وسوءًا في الإدارة، وإذا كانت الدول العربية تعيش حالة من الاستبداد والقهر السياسي والتهميش الاقتصادي، فالحل لا يأتي من الخارج أو من الأمريكي الذي يسعى خلف مصالحه على حساب مصالحنا، وإنما الحل في إزالة القابلية للاستبداد، وبناء المناعة ضده.
عنصرية الغرب ... وتفاقم الإسلاموفوبيا..!!
برلين: صلاح الصيفي ... ... ... ... ... 22/6/1428
يعيش المسلمون والعرب في الغرب حالة من الاضطهاد والعنصرية، وتتزايد هذه الحالة كلما اشتد الصراع داخل البلدان الإسلامية المحتلة مثل العراق وأفغانستان وفلسطين، ويعتقد البعض أن العنصرية تجاه المسلمين الذين يعيشون في الغرب وليدة اليوم أو وليدة أحداث سبتمبر، إلا أن هذا غير صحيح، فقد تكون زادت في هذا الوقت عن ذي قبل، إلا أن جذورها موجودة منذ زمن بعيد؛ فالنظرة المتعالية للغربيين تجاه أبناء الحضارات الأخرى خصوصًا الحضارة العربية والإسلامية قديمة، وتظهر في كتابات المثقفين وفي فنونهم المختلفة من رواية وسينما ومسرح ورسم، فدائمًا ما يصورون العرب على أنهم مجموعة من الهمج الرعاع الذين يعشقون سفك الدماء، وكانوا ينظرون ذات النظرة للمهاجرين الذين اختاروا البقاء في بلدانهم، ولا يغيرونها تدريجيًا إلا بعد أن يذوب هؤلاء المهاجرون تمامًا في الحياة الغربية ويتخلون عن تعاليم دينهم، ويظل التمسك بالإسلام سيفًا مسلطًا على رقاب المهاجرين.
تقارير واحصائيات
وقد كشفت استطلاعات للرأي ومناسبات انتخابية عديدة عن تنامي أنصار الحركات العنصرية في أكثر من بلد أوروبي، وعلى الرغم من أن هذه الحركات لم تصل بعد في العديد من الدول الأوروبية إلى أن تصبح خطرًا داهمًا، فإن التوقعات تشير إلى أنه سيكون لهذه الحركات المتنامية خطر حقيقي في السنين اللاحقة إذا لم تُتخذ الإجراءات الكافية للوقوف في وجهها؛ إذ صارت عمليات الاعتداء على الأجانب من الظواهر المميزة للعديد من المدن الأوروبية، وسجلت العديد من تلك المدن مواجهات دامية بين الشبان العنصريين البيض من ناحية وبين الشبان الآسيويين أو الأفارقة السود أو الأتراك أو أبناء المغرب العربي من جهة ثانية، لكن الشرطة وقفت في العديد من تلك المناسبات إلى جانب العنصريين البيض، وتصرفت بعقلية عنصرية على الرغم من أنه يُفترض فيها أن تكون حامية للأقليات، ومتعقبة للجماعات العنصرية التي تجرمها معظم القوانين الأوروبية.
وكشف استطلاع للرأي - أجراه مركز (موري) المتخصص في استطلاعات الرأي في دول أوروبا الغربية - أن 1 من كل 5 أوروبيين (21%) يعتبرون وجود الأجانب وأبناء الأعراق الأخرى وقضايا الهجرة واللجوء السياسي من أهم الانشغالات التي تشد اهتمامهم.
وتصدر هذا الموضوع في الترتيب انشغالات أخرى لدى الأوروبيين، متقدمًا على قضايا الاقتصاد والتربية والصحة، وبيّن الاستطلاع الذي أُجري على (13000) أوروبي، أن موضوع العلاقة مع الأجانب وقضايا الهجرة واللجوء السياسي تحتل المرتبة الرابعة من بين (11) مسألة عُرضت على الأشخاص المستطلعة آراؤهم، وجاءت بعد النظام والأمن وقضية تلوث اللحوم وجنون البقر.
وقد كشف استطلاع آخر حديث، نشرت نتائجه صحيفة (لوموند) الفرنسية، بتاريخ 26/5/2007، أن أداء العنصرية ضد الأجانب لا يصيب الجسم الفرنسي أكثر من غيره، بل هو داء ينتشر في كل بلدان أوروبا، وهو أكثر تفاقمًا في بعض تلك البلدان منه في فرنسا.
ومن نتائج هذا الاستقصاء أن الأوروبيين عامة هم مع وضع (كوتا) للمهاجرين، ويعتبرون أن التقديمات الاجتماعية يجب أن لا تُعطى للمهاجرين (الشرعيين) إلا بعد أن يكتسب هؤلاء جنسية البلد الذي يستقبلهم، وذلك بنسبة 62%.
إلا أن الفرنسيين، وفق الاستقصاء، هم أكثر انفتاحًا أو قبولًا (ولو بشكل نسبي) للمهاجرين من سائر الشعوب الأوروبية، حيث أن 67% من البريطانيين، و55% من الايطاليين، و55% من الألمان، و45% من الأسبان يعتبرون أن عدد المهاجرين في بلدانهم كبير وغير مقبول، بينما 32% من الفرنسيين فقط يعتقدون ذلك، ومن جهة أخرى فإن أكثرية الايطاليين والبريطانيين والألمان مع طرد المهاجرين غير الشرعيين أيًا كانت ظروفهم العائلية، بينما 43% فقط من الفرنسيين يؤيدون هذا الرأي.