فهرس الكتاب

الصفحة 2221 من 2255

إن تعميق عقيدة الإسلام في نفوسنا المبعثرة الأفكار، وترسيخ مفاهيمه الأساسية فيها متمثلة في معرفة الله - عز وجل - وتوحيده في ذاته وفي صفاته وتوحيد القصد إليه، وعدم النظر إلى غيره من حيث النفع والضر، واتباع سنهنبيه - صلى الله عليه وسلم - في كل ما يتصل بأمور الشريعة والعقيدة، كل ذلك يمهد السبيل الذي يحقق هذا الشعور النبيل الذي يحافظ على شخصية الفرد وهوية المجتمع وتماسكه ووحدته. إن وسائل الغزو الثقافي تطورت تطورًا مذهلًا ولكن مهما تطورت هذه الوسائل فإن إمكانيات المواجهة تصحبها في ذلك التطور، والحضارة التي اخترعت الطائرة المقاتلة هي التي اخترعت كذلك الصاروخ الرهيب الذي يسقطها من عليائها، وبالتالي فما علينا إلا رد كيد الاعداء في نحورهم بشرط توفر الإرادة الخيرة والرغبة الصادقة في ذلك إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [الرعد 11] . إن المعرفة هي التي توسع مجال الاختيار وبالتالي تقودنا إلى فعل أكثر تحررًا من آسار القيود، فبالعلم استنار السلف وبالعلم يستنير الخلف، وبالعلم ازدهرت بطاح نجد، وبالعلم أورقت حواضر الأندلس، وليس لغاية العلم للإنسان من بد.. وهو شمعة الحضارة، وسراج المدنية، وكم من أزمنه ودهور سادها الظلام لما جهلت وغابت عنها جذوة المعرفة، والإنسان العالم سيد نفسه وأمير على نوازعه وشهواته، بينما يظل الجاهل يرسف في أغلال الهوى والطيش. ونحن في زمن الراشد فيه من حظي بزاد وافر من العلم والمعرفة، ونحن المسلمين لنا عراقة وأصول في هذا الميدان، وحري بنا نحن اليوم أن ننهج مسلك أجدادنا الخالدين على صفحات التاريخ العالمي. إننا إذن مكلفون بحمل هذا الإرث العظيم وبعث أنواره لتعم أرجاء حياتنا التي تلفها الظلمات وتعبث بها أيدي الفساد والإلحاد. لقد ظل النبي - صلى الله عليه وسلم - مدة الرسالة عاكفًا على تعليم أصحابه ما ينفعهم في دينهم ودنياهم، ولما استأثر الله بنبيه كان العلم الذي تركه فيهم كنزًا من كنوز الوحي الذي أودعه الله سنة محمد - صلى الله عليه وسلم -، لقد حافظ الصحابة ومن تبعهم بإحسان على هذا الكنز فاستحقوا الفضل والشهادة لهم بالخيرية على لسان محمد - صلى الله عليه وسلم -. إنهم خير القرون، فهي خيرية العلم والعمل والاعتقاد. إن أول مدارج العلم يقود إلى تقوية الآصرة بين العبد وخالقه، والعبودية هي تلك الآصرة، وأعبد الناس أعلمهم، كما قال - تعالى:"فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ.. وقال جل شأنه:"قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ"."

والعبادة المنشودة هي ما توّجها الإخلاص وفضيلة المتابعة، وهي التي وعد الله أصحابها بوعد غال هو الجنة. إن أول الطريق مهما كان طويلًا خطوة، ولعل هذه الكلمات تثمر وتكشف عن عزيمة صادقة ونزعة إلى تجديد ما عطله المبطلون، ونفض الغبار عن صفحات تاريخنا المجيد.

بر الوالدين بين تعاليم الإسلام وحضارة الغرب المادية

محمد حامد الناصر

الأسرة هي اللبنة الأولى في المجتمع الإسلامي، فهي المحضن الدافئ للأطفال، والمرتع الهاديء للشباب، والمأوى الأمين للمسنين والمسنات.

وإذا كان الإسلام يحرص على صون كرامة الإنسان في كل مراحل عمره، فقد عني عناية خاصة بتوقير الكبار واحترامهم، وخاصة الوالدين.

قال - تعالى: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى"واليتامى"والمساكين) {النساء: 36} .

اهتم الإسلام بالوالدين اهتمامًا كبيرًا، وحض على البر بهما، في كثير من توجيهات الكتاب والسنة، واعتبر أن البر بهما فريضة وعقوقهما من أكبر الكبائر.

بر الوالدين في الكتاب والسنة:

بر الوالدين واجب شرعي، من أجل تلبية حاجاتهما الملحة، وخاصة في سن الشيخوخة، فهما يحتاجان إلى المحبة والعون والنفقة، والاحترام والتقدير.

ولذلك حفلت آيات القرآن الكريم، وتعاليم السنة المطهرة بالنصوص التي تحض على رعاية الوالدين والعناية بهما، لأن الأسرة هي الخلية الأولى في المجتمع المسلم، وهي الدعامة المتينة في بناء المجتمعات الإسلامية، والوالدان هما الركن الأساسي في استقرار الأسرة المتوازنة.

قال - تعالى: ( وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم 13 ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على"وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير 14 وإن جاهداك على"أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا 15) {لقمان: 13 - 15} .

فهذه الآيات الكريمة، تعد مثالًا لتلك التعاليم التي زخر بها القرآن الكريم، والتي تدعو إلى تكريم الوالدين ورعايتهما.

وقد قرن - سبحانه وتعالى -، الإحسان إلى الوالدين بتوحيده وخالص عبادته.

(وقضى"ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما 23 واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا 24) {الإسراء: 23، 24} ."

فقد نهى الإسلام عن الإساءة إلى الوالدين، ولو بالكلمة، فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما، وأمر الابن أن يقول قولًا كريمًا، وأن يعاملهما بالإشفاق عليهما، والذّل أمامهما.

"بهذه العبارات الندية والصور الموحية، يستجيش القرآن الكريم وجدان البر والرحمة في قلوب الأبناء، ليذكروا واجب الجيل الذي أنفق رحيقه كله حتى أدركه الجفاف."

ويجيء الأمر بالإحسان إلى الوالدين في صورة قضاء من الله، يحمل معنى الأمر المؤكد، بعد الأمر بعبادة الله"."

"فكبر السن له جلال، وضعف الكبر له إيحاؤه، وأول مرتبة من مراتب الرعاية والأدب مع الوالدين، ألا يصدر من الولد ما يدل على الضجر والضيق، وما يشي بالإهانة وسوء الأدب: فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما، وقل لهما قولا كريما، وهي مرتبة أعلى إيجابية، عندما يكون كلامه لهما يشي بالإكرام والاحترام".

وفي قوله - تعالى: ( واخفض لهما جناح الذل من الرحمة يشف التعبير ويلطف ويبلغ شفاف القلب وحنايا الوجدان، فهي الرحمة ترق وتلطف، حتى لكأنها الذل الذي لا يرفع عينًا ولا يرفض أمرًا") ."

وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا، هي الذكرى الحانية، ذكرى الطفولة الضعيفة، يرعاها الوالدان، وهما اليوم في مثلها من الضعف والحاجة إلى الرعاية والحنان، والله أقدر على جزائهما بما بذلا من دمهما وقلبيهما، مما لا يقدر على جزائه الأبناء" (1) ."

وفي السنة النبوية الزاد الوفير لمن أراد بر والديه:

إذ يعتبر الإسلام أن الإحسان إلى الوالدين من الأعمال الجليلة، التي لا يضاهيها عمل إلا الفرائض المكتوبة.

فعن عبدالله بن مسعود- رضي الله عنه - قال: سألت النبي - صلى الله عليه وسلم:"أي العمل أحب إلى الله؟! قال: الصلاة على وقتها، قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله" (2) .

وإدراك الأبوين المسنين أو أحدهما، نعمة من الله - تعالى -على الابن البار؛ لأن جزاء البر هو الجنة.

فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"رغم أنفه، ثم رغم أنفه، ثم رغم أنفه، قيل: من يا رسول الله؟! قال: من أدرك والدين عند الكبر، أو أحدهما ولم يدخل الجنة" (3) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت