فهرس الكتاب
فيستحيل أن يرتدع معتد أو طامع إلا إذا وجد أمامه قوة، أو شعر بأنه لا قبل له بتحمل صعاب العدوان أو نتائجه. هذا أمر أصبح اليوم من البدهيات، فمثلًا في فلسطين ظل العرب يفاوضون الصهاينة نحو نصف قرن، ولا يزيد هذا التفاوض، الصهاينة إلا عتوًا وطمعًا وتوسعًا. وجاءت الانتفاضة فغيرت المعادلة وقلبت الموازين، وبدأ العدو في التقهقهر والتنازل، وشعر بالندية، وذاق من نفس الكأس التي يذيقها للناس، وعرف أنه لا قبل له بالديمومة على هذا الحال البئيس، نفسيًا واجتماعيًا وماديًا وحربيًا، وتناقل كل ذلك الإعلام المقروء والمنظور، وسار بذلك الركبان، وأصبحت إسرائيل""لا تصلح للإقامة كما قالت صحيفة"جيروساليم بوست"يوم 18 نوفمبر 2001 في الانتفاضة الأخيرة حينما عرضت الجريدة قصة مستوطن إسرائيلي مع زوجته حيث طالب زوجته الأرجنتينية بأن تلحق به هي وأولادها في"إسرائيل"، حيث يقيم، فامتنعت الزوجة، فقام الرجل باختطاف أولاده، فرفعت الزوجة قضية على زوجها تطالب باسترداد أولادها، فحكمت المحاكم الأرجنتينية لها برد أولادها، وقالت في حيثيات حكمها إن"إسرائيل"بلد غير آمن، ومن ثم غير صالح لتنشئة الأطفال.
وقال الرجل معترفًا ومقرًا بذلك: إنني أخاف من الموت بلا سبب كالأبله على الرمال النتنة المسماة قطاع غزة، ومن حرب العصابات، لا أعرف أن أطير عندما يطلقون عليَّ النار، ولا أؤمن بالمعجزات، أنا خائف ولا أخرج من البيت منذ أربعة أشهر، وأرى الصمت الذي يلف المدينة؛ لا سيارات، لا مطاعم، لا ملاهي، أصبحت الملاهي كأنها مكان للأشباح، الناس لا يسمحون لأولادهم بالخروج من البيت، ولا إلى أي نزهة، وإذا خرجت لا أركب سيارة، بل أمشي على قدمي، قولوا لي أي حياة أعيشها! ليس هناك ملاذ في هذه البلاد، والأعصاب متوترة، وصلت عند بعض الناس إلى الانفجار، وسيطر على الناس الكثير من الخوف الذي عقد ألسنتهم وشل حركتهم.
ولا تختلف الصورة كثيرًا عما نشرته جريدة"يديعوت أحرونوت"، حينما نشرت تقول: "هذه أيام مجنونة اضطرت الناس إلى استخدام بيوتهم حصونًا، إنها غرفة عمليات، مع الهواتف والتلفزيون وسماع الأخبار المؤلمة في كل وقت وحين، أصبحنا لا نرى إلا الدماء والأشلاء، وسائد الناس أكياس من الرمال، والغطاءات حصون الإسمنت، رائحة الربيع والبنفسج انقلبت إلى رائحة البارود والانفجارات، أنام على أخبار مزعجة، وأصحو على مستقبل مجهول، لقد نشأ في"إسرائيل"حضارة الرعب، ولا حصانة لنا إلا أن نبقى في منازلنا".
وقد أكد يوئيل ماركوس في صحيفة"هآرتس"الحقيقة التي لا مفر منها حين قال:"لن ننجح في تصفية الإرهاب، وحين تصورنا تصفيته بالقوة كان العكس تمامًا، فقد نجح الفلسطينيون في زرع الرعب في صفوفنا، وفشلنا في إخافتهم، وأكبر دليل على ذلك أن الوزير داني نفسه وأبناء عائلته أخلوا بيوتهم خوفًا على أمنهم بناءً على نصيحة جهاز الشاباك".
فحضارة الرعب هذه، وثقافة التوحش، لابد أن تنقلب على أصحابها إذا وجدت الرجال الذين يدافعون بشرف عن بلادهم وأوطانهم، وقد ضربت المقاومة المثل في ذلك، فهل يرتدع الخونة والعملاء؟ نسأل الله ذلك.
الآخرة كمدخل عملي إلى"الإسلام هو الحل"وكمنهج لبناء الحضارة"الإسلامية"
د. يحيى هاشم حسن فرغل
إن السر في تأخر المسلمين يكمن هنا في هجرانهم الآخرة كمنهج عملي للدخول في"الإسلام هو الحل"، ثم في هجرانهم لها كمنهج لبناء الحضارة الإسلامية
ويرجع انحرافهم في ذلك إلى أمرين على التفصيل يربطهما أمر جامع:
أما الأمر الأول: فهو انحراف في المنهج المعرفي، جعلنا نشتغل بقضايا العلم الذي لا عمل من ورائه ونشتغل بالعمل الذي لا علم فيه"علم لا ينفع".
إن قضية الآخرة قضية جوهرية في مسألة المعرفة أساسا، وفي مسألة القيم سلوكا، وفي مسألة البناء الحضاري هدفا.
وهي إذ تسيطر على هذه المواقف كمنهج إسلامي فإنها تحول مواقفنا جميعا إلى مواقف عملية.
وتنقلنا في ممارساتنا لقضايا المعرفة والقيم والبناء الحضاري إلى المنهج العملي.
حتى في قضية الإيمان الأساس ومبدأ الدخول في الإسلام..وضع الرسول - صلى الله عليه وسلم - الآخرة كمنهج عملي بابا للدخول في الإسلام.
ففي صحيح البخاري باب {إِنْ هُوَ إِلاّ نَذِيرٌ لّكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} (سبأ: 46) روى بسنده عن سعيد بن جُبير عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: «صَعِدَ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - الصّفا ذاتَ يومٍ فقال: يا صباحاه.فاجتمعَت إليه قريش، قالوا: ما لك؟ قال: أرأيتم لو أخبرتكم أنّ العدوّ يصبّحكم أو يمسّيكم أما كنتم تصدّقونني؟ قالوا: بلى قال: فإِني نَذيرٌ لكم بينَ يَدَي عذابٍ شديد.
وفي صحيح مسلم: روى بسنده عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الاَيَةُ: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} (الشعراء الاَية: 214) دَعَا رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - قُرَيْشًا. فَاجْتَمَعُوا. فَعَمّ وَخَصّ. فَقَالَ: «يَا بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيَ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النّارِ. يَا بَنِي مُرّةَ بْنِ كَعْبٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النّارِ. يَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النّارِ. يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النّارِ. يَا بَنِي هَاشِمٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النّارِ. يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطّلِبِ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النّارِ. يَا فَاطِمَةُ أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النّارِ. فَإِنّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ الله شَيْئًا. غَيْرَ أَنّ لَكُمْ رَحِمًا سَأَبُلّهَا بِبِلاَلِهَا » .
وفي صحيح البخاري بسنده عن أبي بُردةَ عن أبي موسى عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنما مَثَلي ومثلُ ما بَعَثَني اللّهُ به كمثلِ رجلٍ أتى قومًا فقال: يا قوم إني رأيتُ الجيشَ بِعَينيّ، وإني أنا النذيرُ العُريان، فالنّجاء النجاء! فأطاعَهُ طائفةٌ من قومِهِ فأدْلجوا فانطلقوا عَلى مَهَلِهم فنَجوا، وكذّبت طائفةٌ منهم فأصبَحوا مكانهم فصبّحَهم الجيشُ فأهلكهم واجْتاحَهُمْ، فذلك مثلُ مَن أطاعني فاتّبع ما جئتُ به، ومثلُ من عصاني وكذب بما جِئت به منَ الحق» .
إن الوحي عندما نزل جعل قضية الآخرة في الصدَّر، وألح عليها بشكل دائم:
(يا أيها المدثر قم فأنذر، وربك فكبر، وثيابك فطهر، والرجز فاهجر، ولا تمنن تستكثر، ولربك فاصبر، فإذا نقر في الناقور فذلك يومئذ يوم عسير على الكافرين غير يسير) أول سورة المدثر
(يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم، تنزيل العزيز الرحيم لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون) أول سورة يس.
(تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا) أول سورة الفرقان.
(الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا ماكثين فيها أبدا وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا ) أول الكهف.