فهرس الكتاب

الصفحة 2054 من 2255

العولمة وصراع الحضارات

إن سياسة ازدواج المعايير والكيل بمكيالين ظهرت لمجرد تأثيرها في القضايا الدولية والمشكلات العالمية• هذه السياسة المزدوجة التي يمارسها الفكر الغربي نظرًا لبنودها السياسية بما فيها المفهوم الجديد للتدخل الإنساني تحت مظلة الشرعية الدولية حتى ولو كان ذلك خرقًا لمبدأ سيادة الدولة الذي كان مقدسًا لقرون عدة منذ ميلاد الدولة القومية، وكذلك جوانبها الاقتصادية بما فيها من حرية التجارة وانتقال السلع ورؤوس الأموال وانسياب الأفكار والخدمات مع تحفظ وحيد يتصل بحرية انتقال الأفراد وهو تعبير آخر عن ازدواج المعايير حتى داخل التيار الفكري الواحد إنهم أيضًا الذين روجوا لفكر العولمة Globalization بنجاحها الثقافي الذي يتحدث عن الانفتاح بين كل التيارات والتواصل بين الأفكار والحضارات•

والغريب في الأمر أن الفكر السياسي الغربي الذي أفرز ذلك المفهوم الجديد للعولمة حتى رأى فيه بعضنا عودة للظاهرة الاستعمارية من الباب الخلفي هو الفكر السياسي الغربي نفسه الذي تحدث عن صراع الحضارات، ويكاد اليوم ينقله من إطاره الفكري إلى أن يصبح سياسة شبه معتمدة، وهو أمر يدعو إلى القلق الحقيقي على مستقبل السلام الدولي والاستقرار العالمي، وهنا يظهر التناقض الحقيقي بين فلسفة التيارين حيث يتبنى أحدهما درجة عالية من الانفتاح والتواصل بينما يتبنى الآخر درجة عليا من درجات المواجهة والصدام الذي يصل إلى حد التعميم الأحمق والتصنيف الذي لا يستند إلى خلفية مقبولة إنسانيًا وأخلاقيًا• (1)

وإذا كان العالم يعيش في الآونة الحاضرة في عصر العولمة بمنجزاتها في التقريب بين الشعوب ثقافيًا واجتماعيًا واقتصاديًا ومعرفيًا، فإن الحديث عن حتمية الصراع بين الحضارات يبدو غير معقول وغير مقبول منطقيًا لما ينطوي عليه من المغالطة والتناقض مع ما يحدث وما نشاهده في أرض الواقع، إذ إن العولمة وفقًا لتعريفها تشير إلى عمليات التقارب والاتصال والانفتاح التي اكتسبتها العلاقات الاجتماعية في العالم•

والتي تمخضت عن تزايد الاعتماد المتبادل بين الناس في مختلف أرجاء المعمورة في تفاعلاتهم، ومعاملاتهم التي تبدو كما لو كانت تحدث في مكان واحد بلا حدود أو مسافات، وفي عالم يؤمن بالالتزام بها والتعامل وفقًا لها، ويؤكد ذلك أن عولمة المجتمع الدولي ما كان لها أن تتحقق إلا بزوال الاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية السائرة في فلكه، وما ترتب على ذلك من القضاء على الاشتراكية المركزية كنمط للإدارة الاقتصادية وانتشار مبادئ الحرية الاقتصادية والاعتماد على قوى السوق وتحول معظم الدول إلى الاندماج في الاقتصاد العالمي (2)

ومن ناحية أخرى، فإن تفكك الاتحاد السوفييتي تبعه تحرر الشعوب التي كانت خاضعة للإمبراطورية السوفييتية وانتصار حق تقرير المصير بصورة تكاد تكون كاملة على المستوى العالمي، وقد اكتملت عناصر أو مقومات عولمة المجتمع الدولي بوجود كثير من القيم والقواعد الأساسية المشتركة التي تشمل مبادئ الحرية والسلام والأمن الدوليين وسيادة الدولة وحق تقرير المصير وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول ومناهضة التمييز العنصري وكراهية الأجانب واحترام قدسية وسيادة وتكامل كل الدول وغير ذلك من القيم والمبادئ التي ارتضاها المجتمع الدولي والتي بلورها ميثاق الأمم المتحدة، ومن ثمَّ فقد بات المجتمع الدولي مفتوحًا لكل الثقافات ومستوعبًا لكل الحضارات دون تمييز•

وعلى الرغم من ذلك، فقد تراجع مفهوم سيادة الدولة في السنوات الأخيرة، فليس من قبيل الشطط أو المغالاة أن نقول: إن الشركات متعدية الجنسيات قد نجحت إلى حد كبير في اختراق جهاز الدولة وإضعاف قدرته على ممارسة سيادتها، فمن الوجهة الاقتصادية مثلًا أصبح بإمكان هذه الشركات ـ بما لها من قوة مادية واقتصادية ـ أن تتخطى الحواجز الجمركية سواء بالاستثمار المباشر داخل أراضي الدولة أو عن طريق اتفاقات من نوع >اتفاقية الغات< ومقررات منظمة التجارة العالمية، كما أصبح بمقدورها أيضًا أن تتخطى حدود ممارسة السياسة النقدية والمالية، إما بقدرتها على التهرب مما تفرضه الدولة من سياسات نقدية ومالية أو بقدرتها على ممارسة المزيد من الضغوط على الحكومات والتأثير على قراراتها السيادية من أجل فرض ما تشاء من سياسات عن طريق ما يسمى برامج >الإصلاح المالي والاقتصادي< أو >برامج التصحيح الهيكليالمالك بما يملك< بل >علاقة المنظم بوحدات تتبع إدارتهالسيد الزياتالقرية الكونية< و>الاعتماد المتبادل< و>نهاية الإيديولوجية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت