فهرس الكتاب

الصفحة 2055 من 2255

ويرجع >السيد الزيات< ذلك إلى أن الشركات متعدية الجنسيات وإن كانت تمتلك وفرة من أسباب القوة وإمكانات الفعل إلا أنها لا تنهض بإحداث هذه التغييرات أو التطورات وحدها، أو بمفردها، وإنما تستعين في ذلك بإمكانات وقدرات هيئات ومؤسسات أخرى كبيرة مثل >صندوق النقد الدولي< و>البنك الدولي< وغيرهما من المؤسسات المالية الدولية، ومختلف وكالات الأمم المتحدة العاملة في ميادين التنمية الثقافية، فضلًا عن أجهزة الاستخبارات التابعة للدول الكبرى، وشتى آليات التأثير في الرأي العام، والهيئات المانحة للجوائز الدولية أو العاملة في ميدان حقوق الإنسان••• إلخ، ناهيك عن تجنيد عناصر من المفكرين والكتَّاب والباحثين في مختلف البلدان من أجل التبشير بدعاوى العولمة والترويج لأفكارها والتأكيد على أن الشعور بالولاء للأمة أو الانتماء للوطن إنما هو من قيم الماضي وتقاليده المتخلفة••• ومن ثم يحسن إهمالها والتخلي عن الإذعان لها والتحرر من أسرها (8)

ولا ننسى أنه مع نهاية الحرب الباردة قد أخذ المفكرون الغربيون يثيرون الشكوك والمخاوف من أن المستقبل سوف يموج بعمليات حشد وتجميع حضاري للقوى الراكدة ليحل محل اعتبارات توازن القوى التقيدي والأيديولوجية السياسية كأساس للتعاون وبناء التحالف، ومن ثم فإن الدول والشعوب الإسلامية سوف تلتئم بفعل الجاذبية الحضارية >الإسلام< مع بعضها بعضًا لتكون قوة معادية ومناهضة للغرب•

وفي هذا الإطار لفتت الصحوة الإسلامية التي كانت قد انطلقت من الشرق الأوسط أنظار هؤلاء المفكرين إليها، وعنيت الدوائر السياسية والأكاديمية في الغرب وخصوصًا في الولايات المتحدة بتتبع هذه الأحداث وغيرها من التحديات التي أصبح يطلق عليها الأصولية الإسلامية تارة، أو الإسلام السياسي أو العسكري تارة أخرى، كما كان مصدر إلهام لبعض الكتاب والمفكرين للترويج لفكرة صراع الحضارات والزعم بأن النمط المقبل للنزاع في السياسة العالمية، بدأ يدخل أولى مراحله، وأن الإسلام كإحدى الحضارات القائمة هو العدو المرتقب للحضارة الغربية، وقد أتاحت نكبة الحادي عشر من سبتمبر العام 2001م في كل من واشنطن ونيويورك فرصة كبيرة للإعلام الغربي الأميركي لتأكيد صحة المزاعم بأن الصحوة الإسلامية في الشرق الأوسط قوة مناهضة للغرب أو سوف تعمل على تدميره والقضاء عليه• ومن هنا سيدوِّن >فوكوياما< المستشار الاستراتيجي والمخطط للسياسة الأميركية الخارجية، أن انهيار الاتحاد السوفييتي، وتفكيك المنظومة الشيوعية، لم يضعا حدًا للصراع التقليدي فحسب، وإنما وضعا نهاية للتاريخ أيضًا، باعتباره إلى الآن تاريخ صراعات مريرة مدمرة، وبتلك النهاية يميل التاريخ إلى الاستقرار عند الرأسمالية العالمية، كنظام للديموقراطية الليبراية الغربية، وكنظام سياسي عالمي أمثل (9)

ولقد حاول >صموئيل هنتنغتون< المحاضر في جامعة >هارفارد< في أميركا، تجاوز فلسفة >النهايات< التي اكتملت عند >فوكو< بحتمية الليبرالية كمصير للشعوب إلى حتمية >صراع الحضارات< التي هي آخر طور، أي الحلقة الأخيرة في سلسلة تطور الصراع• ويرى أن التاريخ لن ينهض، وأن الصراع الحقيقي لن يختفي، وإنما سيكتفي كل منهما بتغيير مصادره واتجاهاته، وتبديل أشكاله بالتحول من صراع دول ومجتمعات وطبقات إلى صراع ثقافات وحضارات•

ويرى الباحث، أن التصادم بين الحضارات يتم لأسباب عدة، منها الفوارق الحضارية، وتطور الإعلام والاتصال، وكذلك حركات الصحوات الدينية التي جاءت لتملأ الفراغ الناتج من ضعف الانتماء القومي، ومن هنا نشأت الحركة الأصولية في أغلب الديانات المسيحية الغربية وفي اليهودية، وفي البوذية والهندوسية، والرجوع إلى الأصل لدى أغلب الشعوب كرد فعل ضد الهيمنة الغربية، ومن هنا جاءت صيحة الرجوع إلى الآسيوية في اليابان، والهندوسية في الهند، والإسلام في الشرق الأوسط، وحتى في روسيا يتم حاليًا مناقشة مسألة إلحاق روسيا بالغرب >تغريبها< وظهور تكتلات اقتصادية جديدة، إلا أن هذه التكتلات تحتاج إلى مواسم حضارية مشتركة كشرط أساسي لنجاحها، وما كتاب >صدام الحضارات< إلا النهايات المفتوحة على الممكنات (10)

وبعبارة أخرى، لقد أعطت مقولة >هنتنغتون< حول >صدام الحضارات< مفعولها الإيجابي في جميع البلدان الخائفة على ثقافتها وتراثها من التحديات المستقبلية، التي لم تستطع أن تجد لها مشروعًا قابلًا للحياة، رغم مرور أكثر من قرنين من الزمان على بدء التحدي الحضاري• (11)

إن مقارنة ما أحدثته مقولة >صدام الحضارات< في العالم الإسلامي من جهة، وفي جنوبي شرقي آسيا من جهة أخرى، تؤكد أن اليابان والصين والكوريتين قد عرفت كيف ترد على الإيديولوجيا بالعلم، أي بالإيغال في عملية التحديث الذاتي وليس بالتغريب، وذلك على قاعدة اللحاق بالغرب أو تجاوزه، وعلى عكس الكلام الأيديولوجي الذي لا تساندوه قوى علمية ذات مصداقية على أرض الواقع، كما هو الحال في كثير من الدول العربية والإسلامية• (12)

ومن الملاحظ أن >فوكوياما< قد ذهب إلى القول: إن الإسلام يمثل أيديولوجيا منظمة ومتماسكة بشريعته الدينية ومبادئه عن العدل السياسي والاجتماعي، ومن ثمَّ فإن جاذبيته من حيث إمكاناتها عالمية بحيث يمكن أن يصل إلى جميع الجنس البشري، غير أن خطورته تتمثل في أنه يسعى إلى هزيمة الديموقراطية الليبرالية في كثير من أجزاء العالم، وذلك بما يشكله من تهديد خطير للممارسات الليبرالية، ومن ثم فلن تكون له جاذبية خارج تلك المناطق التي كانت في بادئ الأمر إسلامية من الناحية الثقافية، أما فيما عدا ذلك فإن أيام الغزو الثقافي للإسلام قد انتهت ولن يكون في مقدور الإسلام أن يستهوي أو يغري شباب برلين أو طوكيو أو موسكو•

ولا شك أن هذه الأفكار في مجملها تدل على فهم غير صحيح لتعاليم الإسلام التي لا تناهض الليبرالية والحرية بمفهومها الشامل، وعن تصور غير دقيق لمدى انتشار الإسلام في الوقت الحاضر خارج نطاق المناطق غير الإسلامية، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى نجد >هنتنغتون< في مؤلفه السابق يقول: إن هذه الصراعات، وإن كانت عبارة عن مواجهات داخل الحضارة الغربية، فقد دخلت مرحلة جديدة في نهاية الحرب الباردة، وهي الانتقال من مرحلتها الغربية إلى مرحلة غربية وغير غربية، ويقصد بهذه المرحلة الصراع بين الغرب والإسلام وذلك برغم اعتقاده بوجود حضارات عدة، وهي الغربية والكونفوشسية واليابانية والإسلامية والهندوسية والأرثوذكسية السلافية، والأميركية اللاتينية، وربما الإفريقية، ولكن الحضارة الإسلامية بالذات كانت تتردد بصورة متزايدة في خطابه عن الصراع الحضاري، الأمر الذي يعزا إلى شبح الحركات الإسلامية الشعبية الذي كان يطارد تفكيره في الثمانينيات من القرن الماضي•

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت