ولا شك أن فكرة الصراع قد بليت واستنفدت أغراضها مذ تهاوت نظرية >كارل ماركس< عن الصراع الطبقي الذي كان يعتبره القوة الدافعة لحركة التاريخ، ويرى الدكتور >أحمد عباس عبدالبديعفي الحجة< أن الإسلام يمثل تهديدًا حضاريًا للغرب وتحديًا للوجود الغربي يرتكز على المخاوف والشكوك عينها التي كانت تراود الغرب بالنسبة للاتحاد السوفييتي خلال الحرب الباردة التي كانت تمثِّل في احتمالات توسعه وسرعة انتشار الأفكار الاشتراكية التي تستهوي الأكثرية العظمى من الطبقات العاملة والفقيرة، كما قيل أيضًا: إن عمليات العولمة قد تعزل الصفوات العلمانية الحاكمة في الدول الإسلامية عن الجماهير التي تتولى قيادة وتشجيع الصحوة الإسلامية، وإقامة وحدة إسلامية قوية ومتماسكة، وإن كان >سيمون ميردن< المحاضر في جامعة >ويلز< المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، يرى أن التوافق داخل الحضارة الإسلامية الذي يشكل أقل قدر من التكامل بين الدول الإسلامية مازال أمرًا بعيد المنال، غير قابل للتحقيق على الأقل في المدى المنظور•
إن فكرة الصراع الحضاري، أو التحدي الحضاري، أو ما يسمى صراع البقاء للأقوى، أو الصراع الطبقي هي الأساس الذي تقوم عليه الحضارة الغربية، بمذاهبها المتعددة وتطبيقاتها المتنوعة، والصراع يعني ـ فيما يعني ـ محاولة إلغاء الآخر بشتى الأساليب والوسائل، لذلك فإن أي حضارة، أو ثقافة، تفتقد النزوع الإنساني، وتقوم على العرق أو الجنس، أو اللون، أو الطبقة، حضارة تمييز وتعالٍ بطبيعتها العدوانية• الأمر الذي يقودها إلى الاعتقاد بأن البقاء مرهون بإلغاء الآخر، لذلك تصبح الطبيعة العدوانية، من أخص خصائصها، وهي لا تستطيع أن تعيش من دون عدو يضمن تماسكها، واستمرارها، فإن لم يكن لها عدو، فلتصنع عدوًا••• وفي ضوء ذلك ـ وكما يقول د•>عمر عبيد حسنةالسيبرنطيقا< و>التليماطيقاالتفرنج< ومحاكاة الغرب• (17)
ومن هنا فالتحديث بالنسبة لأمة تراثية كالأمة العربية، يوفر فرصة تاريخية نادرة لإحياء التراث ولوصل ما انقطع من تطوره ولتجديد نفسه والاستعانة بما تتيحه الحضارة الحديثة من مناهج علمية لم يسبق لها مثيل في التحقيق والحفر والتنقيب والدراسة والنقد والتمحيص وإعادة القراءة والتأويل، فالتواصل مع الحضارة الحديثة، لا الانقطاع عنها، هو وحده الذي يمكن أن يضيف إلى قديم التراث جديدًا، وإلى قيمته أفضل قيمة، وأن ينفخ في مواته حياة، وأن يكشف فيه ـ بالاستعانة بحفريات المعرفة الحديثة وبمعماريتها ـ عن مكامن ثروة ما كان من الممكن قبل اليوم الاشتباه في وجودها، بل إن الانفتاح على الحداثة هو الذي يمكن أن يطرح على التراث أسئلة جديدة، وأن يستنطقه أجوبة جديدة، وأن يعيد صياغته في جزئياته وكلياته، وفي إشكاليات جديدة•
الهوامش
1 ـ د•مصطفى الفقي: العولمة أم صراع الحضارات، الأهرام في 23/10/2001م•