فهرس الكتاب

الصفحة 1945 من 2255

المفصل في الرد على الحضارة الغربية

إعداد

الباحث في القرآن والسنة

علي بن نايف الشحود

الوحدة بين المسلمين ودورها في بناء الكيان الحضاري للأمة الإسلامية

لؤي عباس الهزايمة

إن موضوع الوحدة بين المسلمين، موضوع قديم حديث، ينبغي على الأمة ألا تمل طرحه لما له من أهمية في بناء حياتها وكيانها، وسأعرض للموضوع بشكل سريع دون الدخول في ثناياه وتفاصيله المترامية؛ فالموضوع يستقي أهميته من عدة جوانب:

الجانب الأول: تركيز القرآن الكريم والسنة النبوية على هذه القضية، واعتبارها هدفًا وغاية من غايات هذا الدين وأصلًا من أصوله.

والجانب الثاني: هو المنظور التاريخي، الذي يتمثل في بيان دور هذه الوحدة في بناء حضارة الإسلام المجيدة؛ فالحديث عن الوحدة حديث عن عوامل بناء دولة الإسلام في عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- والتي تمثلت في المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، والتي شكلت بدورها حضاريًا أرسى دعائم هذه الحضارة لقرون متتالية.

أما الجانب الثالث: فهو منظور الواقع، الذي يتمثل في حاجة المسلمين في هذا الزمان إلى هذه الوحدة حتى يستعيدوا ريادتهم في قيادة الأمم، فالحديث عن الوحدة بأشكالها وألوانها هو حديث عن مستقبل الإسلام، وحديث عن الحضارة الإسلامية المقبلة؛ إذ لن يتسنى للمسلمين ـ في زمننا هذا ـ استعادة هويتهم وشهادتهم على الناس إلا بتوحدهم؛ لأن مخالفة هذا التيار ـ تيار الوحدة ـ إنما يعني التشرذم والتفكك ومن ثَمّ الانهيار الحضاري، والله ـ سبحانه وتعالى ـ يقول: (( وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ.. ) ) [النساء: 29] ، والقتل هنا ـ قد يراد به المعنى الحقيقي ويراد به المعنى المجازي الذي يعني التشرذم والتفكك المنافي للوحدة والذي يشكل معولًا من معاول انهيار الحضارة الإسلامية، وعقبة من عقبات المسيرة الحضارية.

وإننا إذ نسعى إلى تحقيق الوحدة في واقع المجتمعات الإسلامية، نسعى إلى تحقيقها ضمن مفهومها الواسع والشامل، بكل أشكالها وألوانها، فنريد (1) :

الوحدة الفكرية أو التصورية: وتعني اتفاق الأمة على الأسس المنهجية وعلى وحدة النظر في شؤون الكون والحياة للوصول إلى الحقائق.

ونريد الوحدة الثقافية: والتي تعني اتفاق الأمة على الآليات التي يتم من خلالها إنجاز الأمور النظرية علميًا في أرض الواقع.

ونريد الوحدة السياسية: والتي تعني وجود كيان سياسي واحد تتوجه إليه أنظار المسلمين كافة، والذي يشكل المرجعية لتمكين منهج الله في واقع الناس.

ونريد الوحدة الوجدانية: والتي تمثل المشاركات العاطفية التي يحس بها المسلمون تجاه بعضهم، فيفرح المسلم لفرح إخوانه المسلمين، ويحزن لأحزانهم، ويتألم لآلامهم.

بهذه الوحدة وبمفهومها الواسع، قام الكيان الحضاري للأمة الإسلامية في عهد النبي.

ومما تجدر الإشارة إليه أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ وعلى رأسه الجهاد في سبيل الله ـ والذي يمثل العامل الأكبر لصيانة هذا الكيان، ما كان لتقوم له قائمة لولا الوحدة، ولذا اعتبرها القرآن الكريم شرطًا من شروط القيام بمهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، يظهر ذلك من تقديم قوله ـ تعالى ـ: (( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا... ) ) [آل عمران: 103] ، على قوله ـ تعالى ـ: (( وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الخَيْرِ وَيًَامُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ ) ) [آل عمران: 104] .

السبيل إلى الوحدة:

لقد وجه الخطاب الإلهي أتباعه إلى سبيل الوحدة، فقال ـ سبحانه ـ وتعالى: (( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا... ) ) [آل عمران: 103] ، فالسبيل هو الاعتصام بحبل الله المتين، والتمركز حول العقيدة الإسلامية، واعتبار نصوص الوحيين هما المرجعية في تحديد الغايات، والمنطلق، والمسيرة (آليات العمل) ، للوصول إلى الأهداف المرسومة.

وإن هذه الأمة لن تجتمع حتى تتوحد نظرتها العقدية، وفق فهم السلف الصالح، وتختط منهجًا يتفق ونهج النبي -صلى الله عليه وسلم-، مع مراعاة أوجه التغيير ومواكبة تطورات الزمان والمكان، يقول تعالى: (( إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ) ) [الأنبياء: 92] .

وإننا بقدر ما نؤمن بحاجة الأمة إلى التغيير الفاعل في واقعها للخروج من أزمتها الراهنة، بقدر ما نؤمن بأن العامل الأمثل للتغيير هو (تغيير الذات) ، (( إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ) ) [الرعد: 11] ، ومن مقتضيات تغيير الذات: التعالي عن معاني الحقد والتحاسد والبغض والكره للمسلمين، وتخلية النفس من شوائب الازدراء والسخرية لأفراد المجتمع المسلم. وبالمقابل فإنه ينبغي تحلية النفس بالمعاني النبيلة، والمعاني السامية: بمعاني الحب والود والعطف والشعور بالرحمة والرأفة نحو المسلمين، وتبني قضاياهم وهمومهم، والسعي على ضعافهم ببذل المعروف والمال، والصبر على إيذائهم والدعاء وبذل النصيحة لهم، فإن هذا بمجموعه يولد مجتمعًا مترابطًا متماسكًا متآخيًا، وهي الحالة التي أشار إليها النبي -صلى الله عليه وسلم- بحالة الجسد الواحد في قوله: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) (2) .

وحينما شرع الله ـ سبحانه وتعالى ـ الوحدة ودعا إليها، ووجه المسلمين نحوها، شرع ما يؤدي إلى تحقيق هذه الوحدة ويعين عليها، ويعمل على صيانتها، فشرع صلاة الجماعة التي يصلي فيها المسلمون ضمن حركات متناسقة تنساب كأنها أمواج البحر، لا يشوبها تضارب أو تضاد، وبألفاظ واحدة، خلف إمام واحد، متجهين إلى قبلة واحدة، يدعون إلها واحدًا، وشرع الزكاة التي تمثل أكبر مظاهر التكافل الاجتماعي في الإسلام، والتي تظهر فيه معاني التراحم والتعاطف، وشرع الصيام الذي تظهر فيه معاني الشعور نحو الآخرين، والحج الذي يمثل ـ بحق ـ المؤتمر العالمي الإسلامي السنوي، الذي يظهر فيه المسلمون بمظهر واحد يلبون نداء رب واحد.

الفرقة وأثرها في الانهيار الحضاري:

إن للفرقة دورًا كبيرًا في تعطيل مسيرة الأمة نحو غاياتها المثلى، وأهدافها النبيلة، لتحقيق كيانها الحضاري للقيام بأمر الله، وتبليغ دينه، وتنزيل منهجه في أرض الواقع لإسعاد البشرية في الدنيا والآخرة.

فالفرقة تبدد الطاقات وتنأى بها عن استثمارها في مساربها الصحيحة، وتثني النفس عن عزيمتها وهمتها، وتجعل نظرة الأمة قاصرة، بعيدة عن التطلع نحو آفاقها ومراميها، منشغلة بوضعها الداخلي، دون الانتباه إلى ما يحوم حولها ويحاك ضدها من الدسائس والمؤامرات التي يقوم بها أعداء هذه الأمة، ومن هنا فقد حذر القرآن الكريم المسلمين من الفرقة؛ يقول ـ تعالى ـ: (( وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ) ) [الأنفال: 46] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت