فهرس الكتاب

الصفحة 2037 من 2255

هل كان الانفراط هذا ضربة لازب؟ هل كان أمرا حتمه التطور التقني، أم أنه كان بملك الناس أن يتفادوه؟ يرى الكاتب أن الوسائل الاختيارية المتاحة للناس للتأثير في سير أحداثهم الاجتماعية تتمثل في أمرين: هما السياسات العامة (يعني تلك التي ترسمها وتنفذها الجهات المسؤولة) والثقافة الشائعة بين المواطنين وما تتضمنه من قيم. ويقول إن كوريا واليابان وبعض الدول الكاثولوكية استطاعت أن تقلل من تأثير التطور التقني بسبب اختلاف ثقافاتها عن الثقافة الشائعة في المجتمعات الغربية. لكنه يرى أن محاولاتهم هذه إن أخرت حصول تلك النتائج التي حصلت في البلاد الغربية، فلن تستطيع الحيلولة دون وقوعها؟ ثم يتساءل:

هل معنى ذلك أن المجتمعات الليبرالية المعاصرة صائرة لا محالة إلى مستويات أدنى فأدنى من الانحطاط الخلقي والفوضى الاجتماعية حتى تنفجر من الداخل؟

يرى أن الأمر ليس ميؤوسا منه إلى هذه الدرجة وأن هنالك حلا. فما هو؟ نجيب عن هذا في مقالنا القادم إن شاء الله.

علاج الانفراط العظيم

مجلة البيان

عدد شعبان 1420

جعفر شيخ إدريس

هذا أوان أن نرجع إلى الانفراط العظيم ونتساءل: ما الذي سيحدث بعد هذا؟ هل كتب علينا أن ننحدر إلى مستويات أدنى فأدنى من الفوضى الاجتماعية والخلقية، أم أن هنالك سببا معقولا يدعونا لأن نتوقع بأن هذا الانفراط حالة طارئة، وأن الولايات المتحدة والدول الأخرى التي عانت منه ستنجح في أن تكون لها قيم من جديد؟ وإذا حدثت هذه الإعادة للقيم، ففي أي صورة ستكون؟ هل ستحدث تلقائيا، أم أنها ستتطلب تدخل الدولة عن طريق السياسات العامة؟ أم أنه لا بد لنا من أن ننتظر حدوث بعث ديني لا يمكن التكهن بمداه، ولا يمكن السيطرة عليه، لنعيد القيم الاجتماعية؟

هكذا بدأ الكاتب الأمريكي فوكوياما الفصل الأخير من كتابه الانفراط العظيم الذي كان قد قدم له بعدة فصول استغرقت أكثر من مائة صفحة كان قد ذكر فيها مصادر النظام الاجتماعي وحصرها في أربعة هي الطبيعة البشرية، والتنظيم الذاتي، والدين، والسياسة. ثم تساءل هنا عن أي مصدر منها سنستمد في المستقبل. سنذكر فيما يلى رأي الكاتب ملخصا مع تعليقات على بعض فقراته.

هل سيستمر الانحدار؟ يجيب الكاتب بأن الانفراط العظيم الذي حدث في المدة التي حددها ليس نهاية المطاف، بل إنه ستكون عودة إلى القيم اللازمة للمجتمع. لماذا؟

لأنه قد حدث مثل هذا الانفراط من قبل في التاريخ الأوربي والأمريكي، بل وفي اليابان لكنه لم يستمر بل عاد الناس بعده إلى الالتزام بالقيم الضرورية لكل مجتمع إنساني. فهل سيحدث مثل هذا الرجوع إلى تلك القيم الآن كما حدث من قبل؟ يتفاءل الكاتب بأن هذا سيحدث، بل يرى أنه بدأ يحدث فعلا، فمعدلات الزيادة في الجريمة، والطلاق، والأطفال غير الشرعيين، وفقدان الثقة، بدأت تتباطأ كثيرا في التسعينات، بل إن بعضها انعكس. كما أنه حدث تحول بقدر مائة وثمانين درجة في آراء الأكاديميين بالنسبة للقيم. فهم الآن يقولون إن القيم وتركيب الأسرة تؤثر تأثيرا كبيرا في ما يحدث في المجتمع. إن فترة تعاظم الفردية قد انتهت، وبعض القيم التي محتها فترة الانفراط بدأت تعود، وبدأت أصوات مؤثرة تنادي بضرورة الانضباط في السلوك وتحمل مسؤوليات الأسرة والأطفال. وهذه الأصوات أشد ما تكون مخالفة لما كان يقوله المعالجون النفسيون للناس في الستينات والسبعينات. لقد كانوا ينصحونهم بمماشاة شهواتهم، وأن لا يلقوا بالا للضوابط الاجتماعية التي تقف في طريق"نموهم الشخصي".

وهو يرى أن هذا الاتجاه سيستمر. لماذا؟ لأن الناس بطبيعيتهم حيوانات اجتماعية، وهم إلى ذلك صناع عقلانيون للقيم الحضارية. والفطرة والعقلانية يعين كلاهما على نمو الفضائل العادية مثل الأمانة، والثقة اللذان يكونان أساس الرأسمال الاجتماعي. ويضرب مثلا على ذلك بالقيم المتعلقة بالأسرة. لقد حدث تغير هائل بعد الستينات في القيم التي تضبط سلوك الرجال والنساء فيما يتعلق بالأسرة، تغير كانت نتيجته الإضرار بمصالح الأطفال: فالرجال عزفوا عن الأسر، والنساء أنجبن بطريقة غير شرعية، والأزواج تفارقوا لأتفه الأسباب. وكثيرا ما تضاربت مصالح الآباء والأبناء، فالوقت الذي يقضى في أخذ الولد إلى المدرسة أو الملعب، يكون على حساب وقت يقضى في وظيفة، أو مع صديقة، أو في أي نشاط ترفيهي . لكن الوالدين لهم مصلحة فطرية في العناية بأطفالهم، فإذا ما بين لهم أن سلوكهم هذا يضر بأولادهم، فمن المحتمل أن يغيروا سلوكهم تغييرا يكون فيه عون للأولاد. لكن الوصول إلى مثل هذا القرار العقلاني لا يتأتى آليا. ففي فترة الانفراط العظيم أفرزت الثقافة العامة صورا إدراكية أعمت الناس عن رؤية الآثار الضارة لسلوكهم حتى على أقرب الناس إليهم. فقد كان علماء الاجتماع يقولون لهم إن النشأة في أسرة مفككة ليس بأضر من النشأة في أسرة متماسكة. بينما كان المختصون في معالجة المشكلات الأسرية يطمئنونهم بأنه من الأفضل للأطفال أن يتفرق الوالدان بدلا من أن يبقيا متشاكسين. وقالوا لهم بأن سعادة أبنائكم في سعادتكم، فلا بأس عليكم من أن تقدموا مصلحتكم على مصلحتهم. هذا وكانت الثقافة العامة تصب على الوالدين وابلا من الأفكار التي تبرز الجنس بطريقة فاتنة، وتصور الحياة العائلية التقليدية بأنها مرتع للنفاق، والقهر، والخبث. إن تغيير هذا كله يحتاج إلى نقاش، وحجج، بل وحروب ثقافية.

لكن الكاتب يذكرنا بأن إلنظام الاجتماعي لا يعاد تكوينه بجهود الأفراد وحدها، بل لا بد من أن تساعد عليه السياسة العامة للدولة، عن طريق قوات الأمن وعن طريق التعليم.

يبدو من هذا الذي ذكره الكاتب أن السبب الحقيقي للانفراط لم يكن في التطور التقني كما تقول نظريته التي بسطها في بداية كتابه، وإنما كان في بعض الأفكار الضالة قدمت للناس باسم بعض العلوم فصدقوها. وهذا يعني أنه لو كانت قد شاعت بين الناس أفكار صحيحة فلربما لم يكن للتطور التقني تلك الآثار التي ذكرها. كان بإمكان الناس أن يستفيدو من حبوب منع الحمل مثلا من غير أن تشجعهم على الإباحية الجنسية.

يتساءل الكاتب: إلى أي مدى ستستمر هذه العودة إلى القيم؟ من المحتمل ـ فيما يرى ـ أن نرى تغيرا في مستويات الجريمة، ومستوى ثقة الناس بعضهم ببعض وبالمؤسسات والحكومات، أكبر مما نرى في القيم المتعلقة بالجنس، والانجاب، والحياة الأسرية، لأن التطور التقني والاقتصادي جعل الرجوع إلى القيم السابقة بالنسبة لهذه الأخيرة أمرا في غاية البعد، لأن الخوف من الحمل قد زال بسبب الحبوب، ولأن الخوف من أن يعيش الطفل غير الشرعي حياة بائسة قد زال بسبب عمل المرأة وبسبب الإعانات الحكومية. وقلة الانجاب لن تتغير لأن الوالدين يريان أن من مصلحة أولادهم أن لا تكثر أعدادهم.

وما يقوله الكاتب هنا مبني على تصور غالط لمضار العلاقات الجنسية غير الشرعية. إن مضارها ليست محصورة فيما ذكر. بل إنها لتؤثر على العلاقة بين الزوجين وتتسبب في الطلاق، وفي اختلاط الأنساب،. كما تؤثر على العلاقة بين الولدين وأبنائهم، بل إن هذه الفاحشة لتؤثر تأثيرا نفسيا سيئا على كل مرتكب لها.

والفردية التي عدها الكاتب من أسباب الانفراط لا علاقة ضرورية بينها وبين التطور التقني، بل كان بإمكان الناس أن يبقوا على أريحيتهم وهم يتطورون تقنيا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت