ونشير هنا، على سبيل المثال، إلى ما يقوم به مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية (Cai صلى الله عليه وسلم ) من دور ملحوظ في مواجهة محاولات تشويه صورة الإسلام والمسلمين من قبل الوسائل الإعلامية والدوائر السياسية في أمريكا، وفي توعية الرأي العام الأمريكي بقضايا الإسلام والمسلمين وتحسين صورته، وينشط المجلس الآن في صنع الأخبار اليومية للمسلمين وتوزيعها على وسائل الإعلام الأمريكية والغربية عن طريق شبكة (Islam-info.net) وهي من أكبر شبكات الاتصال المسلمة في الغرب، كما يساهم المجلس في الرد على ما كتب ضد الإسلام والمسلمين في الصحف الغربية، وبخاصة الأمريكية.
وبالإضافة إلى ذلك ينظم المجلس حملات تعريفية بالإسلام والمسلمين وقضاياهم لفئات مخصصة كالصحفيين والمعلمين ورجال الأمن، كما يقوم بإعداد بحوث ودراسات ميدانية وتوجيه رسائل للشعب الأمريكي على هيئة كتب ونشرات. ولا يهمل المجلس الاتصال المباشر بصناع القرار السياسي: مثل أعضاء الكونجرس ، ومسؤولي الإدارة الأمريكية والقادة المحليين في الولايات ؛ لإيصال أصوات المسلمين إليهم وتفعيل قنوات التواصل معهم.
واستأثر موضوع الرد على حملات الإساءة للإسلام وتشويه صورة المسلمين باهتمام الاجتماع الوزاري الثالث لوزراء الثقافة في الدول الأعضاء بمنظمة المؤتمر الإسلامي الذي عقد مؤخرًا في الدوحة ، واتخذ الاجتماع عددًا من التوصيات في هذا الصدد. كما صادق على مشروع إنشاء قناة فضائية إسلامية تبث برامجها بأربع لغات. وحدد مشروع هذه القناة عددا من الأهداف المراد تحقيقها في البث الموجه لغير المسلمين من برامجها وتتمثل في الرد على المغالطات ودحض الاتهامات والافتراءات التي توجه للإسلام والمسلمين وتصحيح الكثير من المعلومات الخاطئة التي تروج حول الإسلام والمسلمين.
أما العامل الآخر من العوامل التي يعتمد عليها نجاح جهودنا في تصحيح الصورة في وجود بيئة قابلة للتغيير في الغرب، وتدل بعض المؤشرات الجديدة على أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر فتحت أعين الكثيرين في المجتمع الأمريكي على حقيقة جهلهم وعدم معرفتهم بالإسلام فبدؤوا يتساءلون عنه إما بدافع الرغبة الحقيقية في المعرفة أو بدافع الفضول أو بدافع التعرف على العدو.
وتفيد تقارير متعددة أن هناك رواجًا كبيرا للكتب التي تتحدث عن الإسلام في السوق الأمريكية. وتقول شركات أمريكية أنها تسعى لتلبية الطلبات المتزايدة بعدما نفد ما لديها من نسخ القرآن الكريم وترجمات معانيه. ويقول مسؤول في إحدى المكتبات بمقاطعة أر وانج كانوتي بولاية كاليفورنيا أن مكتبته باعت أكثر من ثلاثة آلاف نسخة خلال ثلاثة أسابيع من كتاب"اكتشاف الإسلام"مقارنة بمائتي نسخة فقط خلال العام الماضي بأكمله.
وسجلت الجامعات الأمريكية زيادة ملموسة في عدد الطلاب الذين يسجلون لحضور دروس حول الإسلام والعالم العربي منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر. ويقول (راستي روك) مساعد مدير مركز الدراسات حول الشرق الأوسط بجامعة شيكاغو: عن عدد الطلاب في السنة الأولى لتعليم العربية زاد مرتين أو ثلاث مرات وأن الجامعة اضطرت إلى توظيف أساتذة جدد. وفي جامعة (هارفارد) زاد عدد الطلاب الملتحقين بالدروس الخاصة بمجتمع الشرق الأوسط بنسبة تزيد عن الضعف.
وتخصص وسائل الإعلام الغربية الرئيسية مساحة معتبرة للحديث عن الإسلام والمسلمين. وقدمت شبكات تلفزيونية مرموقة مثل (السي إن إن CNN ) و (البي بي سي BBC ) وبعض المحطات الأمريكية برامج تعريفية بالإسلام وحضارته اتسمت بكثير من الإيجابية والموضوعية. كما استثمرت شركة نشر وإعلام ضخمة للأطفال فرصة الإقبال الأمريكي للتعرف على الإسلام فقامت بتضمين مجلاتها الأسبوعية التي توزع على نحو خمسة وعشرون مليون طفل في كل مدارس أمريكيا بمعلومات كثيرة عن المسلمين وحثت قراءها من الأطفال على التسامح ويقول (ديفيد جودي) . رئيس تحرير مجلات"سكولاستيك":"تلقينا آلافا مؤلفة من الطلبات من مدرسين وطلبة يريدون كميات ضخمة من المواد ولبينا الطلب".
وتدل إحصاءات نشرت حديثا على أن المواطنين الأمريكيين أبدوا اهتمامًا ملحوظًا بدعوة الرئيس الأمريكي (جورج بوش) للتسامح تجاه المسلمين، وأنه نتيجة لذلك فان وجهات النظر المؤيدة للمسلمين الأمريكيين في داخل أمريكا قد ارتفعت من 45 % في شهر مارس الماضي إلى 59 % بعد أحداث سبتمبر. وأوضحت الدراسة التي أجراها مركز"بيو"لدراسات اتجاهات الرأي العام تحت عنوان"اتجاهات بعد 11 سبتمبر: الدين أكثر بروزًا والمسلمون الأمريكيون أكثر قبولا"، أنه على الرغم من التحسن في صورة المسلمين الأمريكيين فإن القليل من الأمريكيين فقط هم الذين يعرفون الكثير عن العقيدة الإسلامية. وقالت الدراسة إن 38 % فقط قالوا إنهم يعرفون بعض المعلومات عن الدين الإسلامي وشعائره في حين قال 31 % إنهم يرون وجود أرضية مشتركة بين عقيدتهم وبين الدين الإسلامي.
إن عدم المعرفة بالإسلام، بسبب نقص المعلومات عنه أو عدم الاهتمام المسبق به يعد عنصرًا مساعدا على التغيير ويسهل مهمتنا كثيرًا. ويعترف القس والأستاذ الجامعي الإسبانى (إميليو غاليندر) أن أول ما يتعين على الغربيين فمهه كي يفهموا الإسلام هو تأهيل أنفسهم لكي يكونوا قادرين على تحقيق مثل هذا الفهم. وقد أدلى (غاليندر) - الذي يدير مركز الدراسات الإسلامية المسيحية في مدريد - بهذا التصريح بعد أن اكتشف أن الغالبية الكبرى من قساوسة وراهبات الكنيسة الكاثوليكية يجهلون الإسلام تماما. وقد أفادت نتائج استقصاء للرأي أجراه المركز الذي يديره أن 53 % من الكنسيين رجالا ونساء لم يقرؤوا في حياتهم أي دراسة عن الإسلام كما أن نسبة الذين قرؤوا القرآن منهم لم تتجاوز الـ5% فقط. ولذلك دعا القس غاليندر رجال الكنيسة ولعاملين في وسائل الإعلام إلى قراءة القرآن الكريم ودراسته قبل إصدار آراء عن الإسلام والمسلمين مليئة بالأخطاء والتهكم والطعن.
لم يكن لنا عذر في السابق ، وليس لنا عذر الآن في إيلاء مسألة تغيير الصورة عنا في المجتمعات الغربية ما تستحقه من عناية قصوى. وهاهي الفرصة الذهبية باتت سانحة الآن، ولابد من اهتبالها قبل أن تضيع كما ضاعت فرص أخرى من قبل، وعلينا أن ننظر إلى المستقبل أكثر من عيشنا في الماضي.
إن الأحداث الأخيرة وتداعياتها وفرت بيئة ملائمة للعمل من خلال هذا الاستعداد والقابلية للتعرف على الإسلام وتفهم قضايا المسلمين لدى الشعوب الغربية وبخاصة في أمريكا. كما أن رياح الانفتاح العالمي التي نتجت عن التطور المذهل في تقنيات الاتصالات الحديثة بشتى أشكالها، بالإضافة إلى مقتضيات العولمة الإعلامية والاقتصادية والثقافية، تساعدنا على الوصول إلى الجماهير الغربية بيسر وسهولة.