فهرس الكتاب
فمن صفاتهم إذن: أنهم لا يفهمون القرآن، وهو لا يصل إلى حلوقهم فضلًا عن أن يصل إلى القلوب، وعدم فهمهم للقرآن يجعلهم يأخذون آيات نزلت في الكفار فيحملونها على المسلمين. قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في الخوارج: (( إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها في المؤمنين ) ). (184)
والوصف الثاني لهم في الحديث السابق: التكفير واستحلال الدماء (( يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان ) ).
وقد امتلأت صفحات تاريخ الخوارج بنماذج غريبة لعقيدتهم، ومنهجهم، فقد يثورون ويحجمون من أجل إثبات قضية قد لا تكون ذات شأن، لكنهم يرون أن عدم إثباتها كفر وضلال، فإذا ما تحقق لهم ذلك نكصوا وقالوا: قد كنا مخطئين، بل كافرين - حين فعلنا ذلك فيثورون ويشتطون أشد من ذي قبل، من أجل إثبات إبطال ما أثبتوه والتراجع عما قرروه، ويرون ضد ذلك كفرًا وليس ذلك فحسب بل كانت طوائفهم تتهجم على بعضها ويكفرون بعضهم.
وهكذا كان تاريخ هذه الطائفة سلسلة من تضخم المواقف والاجتهادات والتكفير، وقد تؤدي إلى سلسلة من الانشقاقات الجذرية والمفاصلات الكاملة.
وقد ابتدأ أمرهم يوم (صفين) حين قالوا لأمير المؤمنين علي t عليك أن تقبل تحكيم كتاب الله وإلا فأنت كافر، فلما وافقهم كارهًا، قالوا: حكمت الرجال في دين الله فأنت كافر لأنه لا حكم إلا الله )) . (185)
ولما رد عليهم بأنهم هم الذين أرغموه قالوا: لما رضينا بالتحكيم كنا كافرين، والآن نتوب من الكفر، فإن شهدت على نفسك بالكفر وتبت عدنا إلى طاعتك فقال: (( أبعد إيماني بالله ورسوله وهجرتي وجهادي مع رسول الله أشهد على نفسي بالكفر، قد ضللت إذن وما أنا من المهتدين ) ). (186)
وعندما قيل لهم عودوا إلى طاعة أمير المؤمنين ولا تشقوا عصا الطاعة قالوا: (( إذا جئتمونا بمثل عمر فعلنا ) ). (187)
ولما لم يأتهم أحد بمثل عمر اختاروا لإمرة المؤمنين عبد الله بن وهب الراسبي. وهو أعرابي (( بوال على عقبيه، ولا سابقة له ولا صحبة، ولا فقه ولا شهد الله له بخير ) ). (188)
ظاهرة التكفير عند الخوارج:
لعل أبرز ما يميز هذه الطائفة هو تكفير مخالفيهم، فقد اشتطت وغلت في النظر لمرتكب الكبيرة، وتشعب بها الخلاف في أحكام التكفير حتى كفر بعض فرقها بعضًا!!
ليس هذا فحسب، بل إن الرزية كل الرزية أن مرتكب الكبيرة عندهم ليس هو الزاني والسارق، وغيرهما من عصاة الأمة، وإنما هو علي وعثمان وطلحة والزبير ومعاوية وأمثالهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فالحكم على هؤلاء بالكفر هو أصل عقيدة الخوارج، وحادثة التحكيم هي التي أثارت ذلك.
ومن ثم برزت عندهم قضية (( الدار ) )وأصبح من أصول الأزارقة المميزة لهم (( أن كل كبيرة كفر، وأن الدار دار كفر - يعنون دار مخالفيهم - وأن مرتكب الكبيرة يخلد في النار أبدًا، وأن من أقام في دار الكفر فكافر لا يسعه الخروج ) ). (189)
وخالفت فرق الخوارج بعضها بعضًا، وكفروا بعضهم كذلك.
موقف أهل السنة من غلو الخوارج:
(( إن القول بتخليد أهل الكبائر في النار، لم يوافق أهل السنة قائليه من الخوارج والمعتزلة، لأن هذا القول من بدعهم المشهورة وقد اتفق الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وسائر أئمة المسلمين على أنه لا يخلد في النار أحد ممن في قلبه مثقال ذرة من إيمان، واتفقوا أيضًا على أن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، يشفع فيمن يأذن الله له بالشفاعة فيه من أهل الكبائر من أمته ) ). (190)
(( فالخوارج هم أول من كفر المسلمين بالذنوب، ويكفرون من خالفهم في بدعتهم، ويستحلون دمه وماله، وهذه حال أكثر أهل البدع، يبتدعون بدعة ويكفرون من خالفهم فيها.
وأهل السنة يتبعون الكتاب والسنة، ويطيعون الله ورسوله، فيتبعون الحق ويرحمون الخلق )) . (191)
وجاء في شرح الطحاوية: (( ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله، ولا نقول: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله، ولا نشهد عليهم(أهل القبلة) بكفر ولا بشرك ولا بنفاق، ما لم يظهر منهم شيء من ذلك، ونذر سرائرهم إلى الله )). (192)
وسنزيد الأمر تفصيلًا خلال حديثنا عن التكفير بالمعصية وتكفير المعين.
هل لجماعات الغلو المعاصر صلة بفكر الخوارج؟!
يبدو أن المعاصرين لم يستقوا أفكارهم من الخوارج والشيعة وإنما (( هو لون غريب من التوافق في التفكير أدى إلى النتائج عينها ) ). (193)
ويدل على ذلك أن هؤلاء المعاصرين نشأت أفكارهم وهم داخل السجون، وما كان من السهل أن يطلعوا على كتب الفرق القديمة. وهذا ما أشار إليه أحد المتهمين بالغلو عندما قال: (( مستحيل، هذه الأحكام هي وليدة الزنزانات والفقه البعيد عن أي كتاب، إذ لم يكن مع الجميع كتاب واحد، حتى المصاحف كانت تصادر منا، وما توصل إليه الشباب، فهو اجتهاد يقوم على ما يحفظون من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ) ). (194)
هذا وإن غالب الأفراد الذين ابتدءوا الغلو كانوا غير متخصصين في العلوم الشرعية، إذ لم يسبق لهم اطّلاع على هذه الكتب، ولذلك عندما بين لهم من ناقشهم أن آراءهم موجودة في الملل والنحل للشهرستاني ونحوه من كتب الفرق: قال بعضهم: بأنه لم يسمع بهذه الكتب، وقال آخرون: إنهم سمعوا بها ولم يروها. (195)
هذا وإن أهل الغلو في المراحل المتأخرة وخاصة المتصدرين منهم للقيادة ربما استفادوا من أفكار الخوارج بصورة ما )) . (196)
(( وقد كان قادة الغلاة يمنعون أتباعهم من قراءة كتب التاريخ وليس ثمة تفسير ظاهر لهذا إلا الخوف من معرفة تاريخ الخوارج وآرائهم المبثوثة في تلك الكتب ) ). (197)
ومما يبين أن آراءهم المتأخرة جاءت مطابقة لفكر الخوارج غلوهم في تكفير مرتكب الكبيرة، وفي ذم المقلدين.
(( إلا أن هذا يبين لنا أن أثر الفرق القديمة على الغلاة المعاصرين جاء تاليًا ولاحقًا، فقد انحصر في إثراء تيارات الغلو وتأييد حججها، لا في إيجادها، إذ أن وجودها كان أثرًا لعوامل أخرى.(198)
وإذا تبين هذا فإن سر التشابه بين آراء الخوارج وآراء المعاصرين يتضح في الجوانب التالية:
1-تشابه المنهج الفكري للفريقين: إذ أن المنهج الفكري الذي استعمله الفريقان للوصول إلى الحقائق متشابه بدرجة كبيرة، وهذا ما يجعل الآراء في كثير من الأحيان تتشابه بل تتماثل.
2-تشابه المناخ الفكري للفريقين: من حيث الجهل والتطور الفكري ويتضح ذلك الجهل (( يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم ) )، كما أن التطور الفكري للفريقين متقارب حيث بدأ الغلو بالتكفير ثم تطور إلى آراء غالية أخرى.
فالغلاة المعاصرون كان مبدأ غلوهم تكفير الحكام، ثم تطورت صور الغلو من خلال الممارسات العملية.
والخوارج رفعوا شعار: لا حكم إلا لله، ثم تكفير مخالفيهم واستباحة قتلهم وقتالهم، ومن خلال ممارساتهم العملية تكونت لهم آراء عامة حول الإمامة ومرتكب الكبيرة… الخ. (199)
المبحث الثالث
ظاهرة الغلو المعاصر
العوامل والأسباب
لقد ظهرت تيارات غالية في بعض أقطار المسلمين، خلال السنوات الأخيرة من هذا القرن، وأعادت إلى الأذهان مقولات أهل الغلو القديمة.
فمن قائل بتكفير الفرد إلى قائل بتكفير المجتمعات، إلى من يتوقف فيها، ثم ظهرت مقولات وتصرفات، كمقاطعة الصلاة في المساجد، إلى هجرة المجتمعات والفرار بدين الله إلى الجبال والأودية..
فما الأسباب الكامنة وراء هذه الظاهرة؟ وما العوامل التي أدت إلى ظهور بعض الجماعات المتطرفة في ديار المسلمين؟! وما المظاهر التي بدأت تنتشر سريعًا هنا وهناك؟ وما مدى الصواب أو الانحراف فيها؟!