فهرس الكتاب

الصفحة 1425 من 2255

وهو أستاذ لكثير من المتخصصين في الدراسات الكلامية في مصر وغيرها، ومن أجلى شنائعه أنه يكفر معاوية t وأباه، ويعتمد على كتب الرافضة في النقل عن الراشدين وغيرهم، ويجعل أصل مذهب السلف في الصفات هو اليهود والصابئة. (171)

لقد ساهم هؤلاء وأمثالهم في نشر فكر الإرجاء الغالي في كتبهم، ومن خلال المعاهد والجامعات التي يشغلون فيها مناصب التوجيه والتدريس، مما زاد في مظاهر الانحراف والاضطراب في المجتمعات المعاصرة، ومما جعل الغلبة لمذاهب المتكلمين والفرق المنحرفة، على حساب فكر السلف وعقيدتهم.

* هذه بعض الآثار السلبية لفكر الإرجاء، على المجتمعات الإسلامية المعاصرة.

* وإذا أضيف إليها انحرافات المتصوفة، وسلبيات منطلقاتهم، التي ساهمت في تخدير الأمة، وانحرافها عن جادة الصواب.

* وكذلك الفكر الغالي الذي ترعرع في ظل سلبيات كل من فكر الإرجاء والتصوف.

* عندها نعلم أهمية بيان هذه الانحرافات، وضرورة عودة الأمة إلى عقيدتها الصافية، وشريعتها القويمة.

الباب الثاني

الغلو في الدين

(( التطرف ) )

وفيه فصلان:

الفصل الأول: الغلو والتطرف في حياة المسلمين المعاصرة.

الفصل الثاني: الغلو والتطرف عند غير المسلمين.

تمهيد:

الغلو ظاهرة قديمة تجددت مع الزمن، حيث أن الغلو في دائرته الواسعة، كان من ظواهر الأديان قبلنا، حتى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد حذرنا من الغلو فقال: (( إنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين ) ). (172)

وللغلاة صفات متشابهة، وتشدد يخرجهم عن حدود الاعتدال، والغلو عند الأمم الأخرى، أشد منه عند المسلمين ولكن أهل السنة والجماعة، والطائفة المنصورة في هذه الأمة، ما زالوا يبتعدون عن جفاء المغالين، وتفريط الجافين، فنصوص الكتاب والسنة، تدعو ليلًا نهارًا إلى اليسر والوسطية فيرجع من اهتدى، ويغلو من اشتد وجفا..

وسوف نتحدث في هذا الفصل -الأول- عن الغلو المعاصر لدى فئة قليلة من المسلمين، نبين أسباب هذه الظاهرة ومظاهرها، وكيفية علاجها، مقدمين لذلك بتوطئة عن جذور هذا التطرف في تاريخنا الإسلامي.

وفي الفصل الثاني، سنتحدث إن شاء الله عن ظاهرة التطرف لدى الأمم الأخرى، وكيف كان حقدهم على المسلمين خلال عصور التاريخ.

ولعل ظاهرة الغلو المعاصر عند المسلمين كانت ردة فعل، على تسيب الفكر الإرجائي، وتفريط المسلمين في دينهم، وتوغل الفكر الصوفي، إضافة إلى عوامل أخرى متعددة ومتشابكة.

الفصل الأول

الغلو والتطرف في حياة المسلمين المعاصرة

وفيه خمسة مباحث:

المبحث الأول: مفهوم الغلو وأنواعه.

المبحث الثاني: الجذور التاريخية لظاهرة الغلو.

المبحث الثالث: ظاهرة الغلو المعاصرة: العوامل والأسباب.

المبحث الرابع: مظاهر الغلو في حياة المسلمين المعاصرة.

المبحث الخامس: كيف تعالج هذه الظاهرة؟!

المبحث الأول

مفهوم الغلو وأنواعه

الغلو لغةً: هو مجاوزة الحد، يقال غلا فلان في الدين غلوًّا، تشدد وتصلب حتى جاوز الحد. (173)

وكل من تجاوز حد الاعتدال وغلا، يصح لغويًا تسميته بالمتطرف. جاء في المعجم الوسيط في معنى تطرف: (( تجاوز حد الاعتدال ولم يتوسط ) ). (174)

ويلاحظ أن هنالك تقاربًا بين لفظي الغلو والتطرف، فهما بمعنى واحد، وإن كان لفظ الغلو قد ورد في النصوص الشرعية. وفي الكتاب والسنة جاءت النصوص الشرعية تذم الغلو وتنهى عنه. قال ابن مسعود t قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( هلك المتنطعون ) )قالها ثلاثًا. (175)

وعن ابن عباس t قال لما جمع للنبي جمرات أمره أن يلقط له حصى صغارًا وقال: (( مثل هؤلاء فارموا وإياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين ) ). (176)

وقال تعالى في ذم النصارى الذين غلوا في عيسى عليه السلام فنقلوه من حيز النبوة إلى أن اتخذوه إلهًا من دون الله يعبدونه كما يعبدون الله: { لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ } [المائدة:72] .

فالغلو شرعًا: هو مجاوزة الحد بأن يزاد في الشيء في حمده أو ذمه على ما يستحق. (177)

والحد هو النص الشرعي، من كلام الله سبحانه وتعالى، وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم .

وجاء في فتح الباري: (( إن الغلو هو المبالغة في الشيء والتشديد فيه بتجاوز الحد ) ). (178)

والغلو على أنواع:

يتنوع باختلاف متعلقه من أفعال العباد على نوعين:

اعتقادي: كغلو النصارى في عيسى عليه السلام، أو غلو الرافضة في الإمام علي والأئمة الإثني عشر، أو غلو الخوارج في تكفير أهل الإسلام بالمعاصي والذنوب، وكبيرها وصغيرها، أي كل ما كان متعلقًا بكليات الشريعة الإسلامية.

وغلو عملي: وهو المتعلق بالأمور التفصيلية من قول اللسان، أو عمل الجوارح مما لا يكون فرعًا عن عقيدة فاسدة. مثال: رمي الجمار بالحصى الكبار ومثله المبالغة في العبادة كوصال الصوم، وقيام الليل كله، ولا شك أن الغلو الاعتقادي هو الأشد خطرًا. (179)

وقد دعا الإسلام إلى الوسطية وهي من أبرز خصائص الإسلام. قال تعالى: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } [البقرة:143] . فالإسلام يقدم المنهج الوسط في كل شأن من شؤون الحياة، ويحذر من المصير إلى الانحرافين: الغلو أو التقصير.

قال تعالى: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } [آل عمران:110]

وعن أبي هريرة t، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ) ). (180) أي غلبه الدين وعجز وانقطع عن عمله كله أو بعضه.

وقال ابن حجر رحمه الله: (( والمعنى لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية، وترك الرفق إلا عجز وانقطع فيغلب ) ). (181)

* وقد خرجت بعض الفرق منذ القديم عن هذا المنهج الوسط، منهج أهل السنة والجماعة خلال القرون الأولى المفضلة.

ومن أبرز هذه الفرق الغالية: الشيعة والروافض، والخوارج والمعتزلة، وسائر أهل الأهواء، إذ كفر الشيعة معظم سائر الصحابة، وأهل السنة ما عدا عليًا t، وبعض الصحابة. وكفر الخوارج ومن شايعهم على الذنوب والمعاصي، وقالوا: بتخليد مرتكب الكبيرة في النار.

(( فالخوارج تكفر أهل الجماعة، وكذلك أكثر المعتزلة يكفرون من خالفهم وكذلك أكثر الرافضة، ومن لم يكفر حكم بفسقه.. وأهل السنة يتبعون الحق من ربهم الذي جاء به الرسول، ولا يكفرون من خالفهم فيه ) ). (182)

المبحث الثاني

الجذور التاريخية لظاهرة الغلو

لعل أفكار الخوارج ومعتقداتهم كانت من أبرز مظاهر الغلو في التاريخ الإسلامي.. ويحاول بعضهم أن يعقد مقارنات بين الخوارج وظاهرة الغلو المعاصرة، فما مدى صحة هذا القول؟ هذا ما سوف نلقي عليه الضوء في آخر هذه الفقرة.

فالخوارج كلمة تطلق على تلك الفرقة التي وصفها الرسول صلى الله عليه وسلم بالمروق من الدين، وتميزت بالغلو والإفراط والشطط كما تميزت بالاندفاع والتهور والقابلية السريعة للتمزق والاشتعال وما خيروا بين أمرين إلا اختاروا أعسرهما.

روى أبو سعيد الخدري t في قصة الرجل الذي اعترض على قسمة الرسول صلى الله عليه وسلم وفيه: (( ثم أدبر الرجل، فاستأذن رجل من القوم في قتله، يرون أنه خالد بن الوليد، فقال رسول الله: (( إن من ضئضئ هذا قومًا يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان ) ). (183)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت