فهرس الكتاب
حتى أصبحت المحافظة على العقيدة الصافية جرمًا شائنًا، والتمسك بما تتطلبه الشريعة رجعية عتيقة، إن لم تكن أصولية، يجمع أقطاب النظام العالمي الجديد على حربها خارج بلادها عند المسلمين فقط.
(( لقد كان لعقيدة الإرجاء آثار عميقة المدى على الأمة، بل هي في عصرنا هذا أساس الضلال والتخبط الواقع في مسألة التكفير، ومنها نشأ التوسع في استخدام (( شرط الاستحلال ) )حتى اشترطوه في أعمال الكفر الصريحة كإهانة المصحف وسب الرسول صلى الله عليه وسلم وإلغاء شريعة الله، فقالوا لا يكفر فاعلها إلا إذا كان مستحلًا بقلبه!! واشترط بعضهم مساءلة المرتد قبل الحكم عليه، فإن أقر أنه يعتقد بفعله الكفر كُفّر، وإن قال: إنه مصدق بقلبه، ويعتقد أن الإسلام أفضل مما هو عليه من الردة لم يكفروه )) . (159)
لقد كان الفكر الإرجائي (كما نلاحظ) ولازال من أخطر الانحرافات العقدية التي وقعت فيها الأمة الإسلامية.
4-تأويلات المرجئة وقضية الحكم بغير ما أنزل الله:
تعتبر هذه القضية من أخطر القضايا في العصر الحديث، حيث نحيت شريعة الله جهارًا نهارًا، ووجدت هذه القضية تأويلات فاسدة من ضلالات الإرجاء، وانحرافات التائهين المعجبين بما وفد إلينا من حثالات الأمم الضالة.
(( إن من لا يحكم بكتاب الله وسنة رسوله، ولا يقيم من شريعة الله إلا جزءًا قليلًا أو كثيرًا، لكنه لا يقيمه امتثالًا لأمر الله وإيمانًا بدينه، بل لأنه يوافق الهوى والمصلحة الذاتية.. ولأنه أُقر ممن يملك حق الإقرار والتشريع، سواء كان شخص الزعيم أو الحزب.. إن مثل هذا لا يكفر إلا إذا علمنا أنه - في قلبه - يفضل شرائع البشر على شريعة أحكم الحاكمين.
ويرى المرجئة أننا ما لم نطلع على ذلك فكل أعماله تعتبر بحكم المعصية، حتى وهو يصدر القوانين تلو القوانين، حتى وهو يترصد للمطالبين بتطبيق الشريعة ويلاحقهم بصنوف الأذى، حتى وهو يظهر الموالاة الصريحة للكفار، ويلغي ما شرعه الله من الفوارق الجلية بين المؤمنين والكافرين من الرعية، ويرخص بإقامة أحزاب لا دينية - ويمنع قيام أحزاب لها صفة دينية - كل ذلك يعتبر من المعاصي التي لا تخرجه من الإسلام، وما لم نطلع على ما في قلبه فنعلم أنه يفضل شرعًا وحكمًا غير شرع الله على شرع الله وحكمه )) . (160)
وعلى ضوء هذا الفكر لا نعجب من عدم الإنكار لتصرفات بعض الحكام الهوجاء، وصمتهم حيال ما يصدر من حكامهم من خرق لأحكام الدين، وانتهاك لمحارمه، ومن ظلم واضطهاد للناس، وأعظم من ذلك كله موالاة الكافرين ومناصرتهم وعداوة المؤمنين، ما دام أن هؤلاء الحكام يتفوهون بالشهادة، ويتكلمون باسم الدين.
وبذلك ابتعدت الأمة عن تحكيم شرع الله، وهي لا تحس غضاضة بذلك ما دامت تقر أن شرع الله أفضل من شرع الطواغيت وكفى!!. (161)
لقد فاقت آثار الفكر الإرجائي في هذا القرن ما سببه هذا الفكر نفسه من انحراف في القرون الخالية، وإذا كان الفكر الإرجائي في القرن الأول حدث كرد فعل ضد الفكر الخارجي، فإن العكس هو الذي حدث في عصرنا هذا حيث كان فكر التكفير الغالي ردًا على الفكر الإرجائي المعاصر الذي غلا به أصحابه.
ومن المفارقات أن فكر الإرجاء، قد تسرب حتى إلى بعض الجماعات الإسلامية، التي اعتنق بعضها الخط الديمقراطي البرلماني، ثم التحالف مع الأحزاب العلمانية، مما جعلها لا تختلف عن الأحزاب السياسية في كثير من المنطلقات، وكان لذلك أسوأ الأثر في إصدار فتاوى رجراجة متناقضة مع المبادئ التي كانت معلنة عند هذه الجماعات.
5-دور المستشرقين ومقلديهم في نشر فكر المرجئة:
لقد استمر تيار الإرجاء ينخر في كيان الأمة الإسلامية، ويذكيه ما كان ينشره علماء الكلام ويقومون بتدريسه في كبرى المعاهد الإسلامية كالأزهر والزيتونة والقرويين، ومما يؤسف له أنها مازالت مستمرة في تبني علم الكلام وعقائد المتكلمين، وإعراضها عن عقيدة السلف، بل ومقاومتها في كثير من الأحيان. (162)
ولقد تعرض عدد من المستشرقين، وممن اتبعهم من الكتاب المعاصرين لنشأة الإرجاء وفكره، وتجاهل هؤلاء المعاصرون كلام علماء الإسلام الثقات وأئمة السنة المشهورين، واتبعوا المستشرقين الحاقدين في آرائهم المسمومة.
ومن أبرز المستشرقين الذين تعرضوا لهذا الموضوع (فان فلوتن) ، و (يوليوس ويلهاوس) . وهما من أخبث المستشرقين، وأكثرهما أثرًا في المقلدين. (163)
* أما الأول منهما فله كتيب سقيم يقوم على فكرة واحدة هي أن الفتوحات الإسلامية كانت بغرض الاستعمار على الطريقة الأوروبية، ومن هنا فقد فسر (الفرق) على أنها انتقام من الشعوب المستعمرة ضد مستعمريها.
ويقول خلال حديثه عن المرجئة: إن جهم بن صفوان أحد رؤوس المرجئة كان يرى أن الإيمان عقد بالقلب، وإن أعلن الكفر بلسانه بلا تقية وعبد الأوثان، أو لزم اليهودية أو النصرانية في دار الإسلام، وعبد الصليب وأعلن التثليث في دار الإسلام، ومات على ذلك فهو مؤمن كامل الإيمان عند الله عز وجل ومن أهل الجنة )) .
ثم يقول: (( ومن هذه الناحية كان الإرجاء في خراسان أشبه شيء بأثر عكسي أخلاقي لذلك الإسلام الشكلي دين الحكومة العربية في ذلك الحين، تلك الحكومة التي أصرت على عدم المساواة بين جميع رعاياها في الدين باتباعها النظام الجائر لجمع الضرائب وجباية المكوس ) ). (164)
أما يوليوس ويلهاوس فقد ذكر فيما يخص الإرجاء أن الإسلام انقسم بسبب هذه المسألة قسمين:
محافظ وهو الذي يحترم الجماعة ويؤيد الوضع القائم، وثائر، ومن الثائرين المرجئة والخوارج والشيعة، ويقول: المرجئة أكثر أهمية، وكان لهم أثر ضخم في التاريخ.
ويستمر في كلام، خلاصته أن المرجئة حركة ثورية ضد طغيان المستعمرين الفاتحين، ولهذا وسعت مفهوم الإيمان ليقبل جميع الشعوب المضطهدة، كي تكون يدًا واحدة على الشعب الفاتح )) . (165)
* وليست الغرابة فيما يقرره هذان المستشرقان، وما ينفثان من أحقاد، وإنما الغرابة فيما نقله عنهما وعن أمثالهما كتاب من بني جلدتنا.
فما قرره هذان المستشرقان لخصه أحمد أمين وشريكاه وهذبوه من الكلمات الصريحة الجارحة وقدموه على أنه فكرة سليمة.
وعن أحمد أمين نقل الشيخ محمد أبو زهرة (166) ونعمان القاضي (167) وألبير نصري نادر. (168)
وعن أبي زهرة نقل كثير من الباحثين ثقة منهم في الشيخ، والغريب أن يترجم كتاب يوليوس مرتين إحداهما سورية (( يوسف العش ) )والأخرى مصرية (( أبوريدة ) )وفي هذا الكتاب هجوم صريح على الرسول صلى الله عليه وسلم ورسالة الإسلام.
ومن المستشرقين الحاقدين المستشرق اليهودي (( جولدزيهر ) )الذي يتميز بمهارة فائقة في الدس والتزوير.
وهو يذهب إلى أن المرجئة من أهل السنة والجماعة، وتبعه على ذلك مقلدون كثيرون.
وعلى هذا يسير الدكتور فاروق عمر الذي ينقل عنه مقرًا مؤيدًا في كتابه (( العباسيون الأوائل ص60 ) ).
من ذلك قوله: (( لم يكن مذهب أهل السنة والجماعة في بدايته إلا فكرة غامضة مرنة تتسع لكثير من الجماعات، وبعد المحنة التي عركت الأمة الإسلامية أثناء الحرب الأهلية الأولى - بانت الخصائص الأولى لمذهب أهل السنة حيث انقسم المسلمون إلى فئتين تمثل الأولى(دين عثمان) ، وتمثل الثانية (دين مروان) .
وممن تأثر بالمستشرقين: عبد الرحمن بدوي (169) وعلي سامي النشار (170) ورغم جودة عبارة النشار إلا أنه من أكثر الكتاب المعاصرين اضطرابًا وتناقضًا.