فهرس الكتاب
المرجئة المعاصرون تجاوزوا أسلافهم كثيرًا، ذلك لأنهم ولدوا في مجتمع لا يحكم بشريعة الله… وفي مجتمع لا تؤدى فيه الصلاة ولا غيرها من العبادات ثم تناولوا الجرعة المسمومة من أسلافهم، ومدوا فكرهم حتى شملوا به كل شيء من مقتضيات لا إله إلا الله فقالوا: (( من قال لا إله إلا الله فهو مؤمن ولو لم يعمل عملًا واحدًا من أعمال الإسلام، فتجاوزوا بذلك الحاجزين الأخيرين اللذين كان المرجئة القدامى قد وقفوا عندهما: حاجز الصلاة، وحاجز الشريعة، فوصفوا المجتمعات التي لا تحكم بما أنزل الله؛ بأنها مجتمعات إسلامية، وصنفوا الناس كل الناس بأنهم مسلمون ماداموا يقولون لا إله إلا الله محمد رسول الله! معتمدين على الحديث: (( من قال لا إله إلا الله دخل الجنة ) )متناسين أن هذا الحديث قد خصص بأحاديث أخرى، قد اشترط الرسول صلى الله عليه وسلم فيها البراءة من الشرك. قال صلى الله عليه وسلم: (( من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة ) ) (أخرجه مسلم) . (151)
وقال ابن تيمية رحمه الله عندما سئل عن رجل قال: (( أنا لو فعلت كل ما يليق وقلت لا إله إلا الله، دخلت الجنة ولم أدخل النار ) ).
أجاب رحمه الله: (( الحمد لله رب العالمين. من اعتقد أنه لمجرد تلفظ الإنسان بهذه الكلمة يدخل الجنة ولا يدخل النار بحال، فهو ضال مخالف للكتاب والسنة وإجماع المؤمنين.
فإنه قد تلفظ بها المنافقون الذين هم في الدرك الأسفل من النار وهم كثيرون بل إن المنافقين قد يصومون ويصلون ويتصدقون ولكن لا تقبل منهم.. )) .
ثم قال رحمه الله: (( ولكن إن قال لا إله إلا الله خالصًا صادقًا من قلبه، ومات على ذلك لا يخلد في النار… إذ لا يخلد في النار من في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، كما صحت بذلك الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ) ). (152)
وبذلك يتبين أن ضمور مفهوم لا إله إلا الله عند المرجئة سبب هذا الانحراف، وأدى إلى التسيب الموجود حاليًا عند كثير من المسلمين، ناهيك عن تبني بعض الإسلاميين لهذا الفكر المريض.
لقد تميعت المواقف حتى عند بعض الدعاة، مما أدى إلى الاضطراب والانتكاس مع أعداء الدعوة الإسلامية.
وفي ضوء الفكر الإرجائي نستطيع أن نفسر كثيرًا من الانحرافات التي اشتدت وطأتها في هذا القرن، وعلى رأسها انتشار مظاهر الشرك كلها.
2-لقد ترتب على إهمال المرجئة لأعمال القلوب من الآثار المدمرة في حياة الأمة الشيء الكثير.
ومن أعظم ذلك انحسار مفهوم العبادة وتضييقه، وانتقاص توحيد الألوهية، ووقوع الأمة في الشرك الأكبر، حتى أصبح المرجئة في عصرنا الحاضر يجاهرون بإنكار دخول الأعمال في العبادة والتأله.
فقالوا: إن الرجاء والمحبة والرضا والانقياد والطاعة ونحوها من تعبدات القلب، بل الدعاء والاستغاثة بالمخلوقين لا علاقة لها بالشرك، ولا يسمى فاعلها - لغير الله - مشركًا ما دام يقول: لا إله إلا الله، ويعتقد بقلبه صدق الرسول فيما جاء به!!
وينحصر الشرك بزعمهم في اعتقاد القلب أن هذا المخلوق إله أو رب معبود.. أما إذا عمل أعمال الكفر، كالتشريع من دون الله مع اعتقاده أن ذلك لا يخرجه من الملة فليس بكافر.
وقد وصل بهم التمادي إلى إخراج شعائر التقرب والتنسك كالنذر والتوسل والذبح والتعظيم من مسمى العبادة، بل صرحوا بأن السجود للصنم ليس بكفر لذاته. (153)
ومن هنا فقد تفاقم الفسق والفجور بعد ذلك، بل لقد تفشت مظاهر الشرك في مجتمعاتنا المعاصرة، وظهر شرك العصر المعروف وهو شرك الاتباع والتشريع بغير ما أنزل الله، فألغيت المحاكم الشرعية في أكثر البلدان، ومن بقيت فيها حجم دورها، وشيدت المحاكم الوضعية التي تحكم بقوانين ملفقة (( من شرائع شتى وقوانين كثيرة كالقانون الفرنسي والأمريكي والبريطاني، ومن مذاهب بعض البدعيين المنتسبين للشريعة وغير ذلك، فهذه المحاكم الآن في كثير من أمصار الإسلام مهيأة مكملة مفتوحة الأبواب، والناس إليها أسراب إثر أسراب، يحكم حكامها بينهم بما يخالف حكم السنة والكتاب من أحكام ذلك القانون، وتلزمهم به وتحتمه عليهم.
فأي كفر فوق هذا الكفر، وأي مناقضة للشهادة بأن محمدًا رسول الله بعد هذه المناقضة )) . (154)
(( ومع هذا يدعي أصحاب هذا الفكر محبة الله ورسوله، ويعبرون عن هذا الحب المزعوم بالمظهر والاحتفالات البدعية، وأعمال الضرار الأخرى، ويستدرجون بهذا عقول بعض العلماء الناصحين، فيتورعون عن الحكم عليهم كما حكم الله عليهم به، متذرعين بأنهم غير مستحلين! ) ). (155)
(( لقد كان حجم الفرق الزائفة قديمًا ضئيلًا بالنسبة إلى أعداد المسلمين، وكانت أفكارهم تعيش في دهاليز مظلمة، أو ما كان لها أثر ملموس في واقع حياة المسلمين.
بل إن أصحاب الفكر الإرجائي، كثير منهم كان من العاملين الفقهاء والعابدين الزهاد، ولم يتأثروا بفكرهم الخاص ليتركوا العمل أو ينادوا بتركه شأن مرجئة اليوم )) . (156)
الذين اعتبروا ترك العبادات لا يؤثر بالإيمان بينما اعتبر السلف ذلك كفرًا. قال الحكم بن عتيبة (157) : (( من ترك الصلاة متعمدًا فقد كفر، ومن ترك الزكاة متعمدًا فقد كفر، ومن ترك الحج متعمدًا فقد كفر، ومن ترك صوم رمضان متعمدًا فقد كفر ) ).
3-لقد تجرأ الملاحدة زعماء وكتابًا على دين الله سخرية واستهزاء:
عندما مهد الفكر الإرجائي لهم الطريق، وجرت بعد ذلك ألفاظ الاستهزاء على ألسنة العوام فأصبحت في أحيان كثيرة كالسلام.. ماداموا لا يخشون عقابًا، ويجدون من تأويل المرجئة وفتاواهم اللين والاستخذاء.
(( ومن ثم عم البلاء حتى تعدى مجال الاستهزاء إلى مجال الكفر الجاد الجلي الذي كان أمرًا محظورًا - ولو عرفًا وعادة - فنسي الناس تكفير الباطنية كالقرامطة والدروز وأمثالهم، وغاب عنهم تمامًا كفر الطواغيت، كطواغيت الدجل والخرافة والسحر، أما طواغيت الحكم والتشريع فقد نسخوا شريعة الله جهارًا نهارًا وحكموا شرائع الطاغوت في الدماء والأعراض والأموال، وألزموا الناس في مناهجهم ووسائل تربيتهم لموالاة الكفار، بالموبقات ضروبًا وألوانًا، وسخروا من الحدود والحجاب وتعدد الزوجات، وأحكام المواريث، والعبادات والأخلاق..
وانضم أغلب الطبقة المثقفة - كما يسمونها - إلى الأحزاب الكفرية والمنظمات الإلحادية، والمذاهب الأدبية التي تسير الكفر بالشعر، وسقط حد الردة إلا من كتب الفقه الموروثة، بل ظهر في صفوف المنتسبين إلى الدعوة الإسلامية اتجاه جديد ينكر حد الردة ضمن ما ينكر من حدود الإسلام وأصوله. ومر على الأمة الإسلامية أجيال بل قرون لم تسمع فيها أن حد الردة أقيم على زنديق مجاهر أو ملحد مكابر، في حين أن الآلاف من الأرواح تزهق لأسباب سياسية أو خلافات شخصية )) . (158)
لقد حصر المرجئة الكفر في تكذيب القلب فقط فهانت المقدسات، وتجرأ السفهاء حتى أنهم لم يعتبروا أعمال الكفر الصريحة كالسجود للصنم، وإهانة المصحف وسب الرسول صلى الله عليه وسلم إلا دلالات على انتفاء تصديق القلب وليس مكفرة بذاتها.
وها نحن نقرأ ونرى عشرات الكتب وآلاف الصحف والمجلات، وكثيرًا من الوسائل المرئية والسمعية تهاجم أصول الدين، وتسخر من قضايا التشريع والأخلاق بل إنها تشجع الخنا والفجور، وتهزأ بالرسل ورجال السلف، وتعرض بحقائق الجيل الأول، وتحاول تزويرها، ولا تخشى بسبب هذا الكفر أو التطاول عقابًا، ولا نبالغ إذا قلنا إنها تجد تشجيعًا من أكثر المنظمات العالمية، وكثير من السلطات المحلية، ويجري كل ذلك باسم حماية الحرية الشخصية، وتحت مظلة من الأفكار الإرجائية.