فهرس الكتاب

الصفحة 1422 من 2255

4-وهن القلب: فلا تزال المعاصي توهنه حتى تزيل حياته كلية، ويظهر أثر هذا الوهن على البدن عادة.

5-إن العبد كلما عصى ربه خفت عليه المعصية حتى يعتادها، فيموت إنكار قلبه لها، ويفقد عمل القلب تمامًا، حتى يصبح من المجاهرين بها، المفاخرين بارتكابها.

روى البخاري في صحيحه عن ابن مسعود t قال: (( إن المؤمن يرى ذنوبه كأنها في أصل جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه، فقال به هكذا فطار ) ).

6-الذل: فالمعصية تورث الذل ولابد، والعز كل العز في طاعة الله تعالى وكان من دعاء بعض السلف: (( اللهم أعزني بطاعتك، ولا تذلني بمعصيتك ) ). (145)

* ومن ذلك الصدى والران والطبع، والقفل والختم، وذلك أن القلب يصدأ من المعصية فإذا زادت غلب عليه الصدى حتى يصير رانًا { كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } [المطففين:14] ، ثم يغلب حتى يصير طبعًا وقفلًا وختمًا، فيصير القلب في غشاوة وغلب، فإذا حصل له ذلك بعد الهدى والبصيرة، انتكس فصار أعلاه أسفله، وحينئذ يتولاه عدوه، ويسوقه حيث أراد. وبمثل هذا اتخذ الشيطان من البشر دعاة وجنودًا.

* ومن ذلك إطفاء الغيرة من القلب، وهي الغيرة على محارم الله أن تنتهك، وعلى دينه أن يضعف، أو يضيع، وعلى إخوانه المسلمين أن يهانوا، أو يبادوا، بل على أهله ونفسه أن يقعوا في المعصية والهلاك، فالمعاصي تضعف هذه الغيرة حتى تذهبها وتزيلها، ولهذا تجد المدمنين على المعاصي لا يبالون بما حل بالإسلام وأهله من كوارث ومحن، وإنما جل همهم يتمثل في اتباع الشهوات وإضاعة الأوقات، بل إنهم يفقدون الغيرة الخاصة، وهي الغيرة على العرض، حتى تصير دياثة فيهم، وطبعًا وسجية.

* ومن ذلك ذهاب الحياء الذي هو مادة الحياة للقلب…

* ومنها نكد القلب وقلقه وضنكه: وهذا يلازم المعصية ملازمة الظل لأصله. كما قال تعالى: { وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى } [طه:124] .

فهذه بعض آثار معاصي الجوارح على القلب وعمله، فهي تذهب يقينه وإخلاصه، وتوكله ومحبته. (146)

أما أثر الطاعات في أعمال القلب:

فذلك ما ينوء بالمجلدات الكبار، حيث أن هذه الطاعات هي مادة حياة القلب وقوته وعزيمته، والجوارح هي منافذه وثغوره وهل نجهل ما تورثه الصلاة من رضا وطمأنينة وخشوع وإنابة؟!

أو ما يورثه الصوم من يقين وتوكل وإخلاص؟!

أو ما يورثه الجهاد من محبة واستسلام؟!…

وإن هذه الطاعات تورث القلب شجاعة وثباتًا وقوة، وأنها تسدد على الشيطان مداخله إلى القلب… وتفرغ القلب للكفر في مصالحه والاشتغال بها. (147)

وأخيرًا فهذا ما أردنا إيجازه حول بدعة الإرجاء وبيان مفاسدها.

وسوف نخصص الفصل الخامس لبيان الآثار المدمرة (لهذا الفكر) على الأمة في العصر الحاضر.

الفصل الخامس

آثار الفكر الإرجائي على المجتمعات المعاصرة

1-اضطراب مفهوم لا إله إلا الله، وضمور مقتضيات هذا المفهوم.

2-نتائج إهمال المرجئة لأعمال القلوب.

-انحسار مفهوم العبادة أو تركها.

-انتقاص توحيد الألوهية وتفشي مظاهر الشرك.

-تفاقم الفسق والفجور.

3-تجرؤ الملاحدة والعلمانيين على دين الله سخرية واستهزاء.

-كثرة المنظمات الملحدة.

-الاستهانة بالمقدسات الدينية.

4-الاستهانة بقضية تحكيم شرع الله، وتأويلات المرجئة وضلالاتهم الفاسدة.

5-شيوع ضلالات المرجئة على يد المستشرقين ومقلديهم من أبناء هذه الأمة.

آثار الإرجاء على المجتمعات المعاصرة

عندما أخرج المرجئة العمل من مسمى الإيمان، واكتفوا بمسمى الإيمان وأنه مجرد تصديق القلب، وأرجؤوا ما يرتكب من فواحش وانحرافات إلى الله، شجعوا على التفلت من التكاليف الشرعية - ولو عن غير قصد منهم ابتداء - وجاء زمن زعم فيه المرجئة أن (( من قال لا إله إلا الله فهو مؤمن، ولو لم يعمل عملًا واحدًا من أعمال الإسلام ) ).

ومن الغريب أن هذا الفكر المريض، جعل الأمة - في عصرنا - تتبنى الإرجاء عقيدة ومنهجًا، وصارت تعد مخالفه خارجًا مارقًا من الإسلام، وأضحت تضبط دينها وأحكام إيمانها بأصول فكر الإرجاء وقواعده.

لقد تحول معنى أركان الإسلام، إلى اعتقاد وجودها، والإقرار بها، وإن لم يعمل المرء منها شيئًا.

لكن كيف يستقيم ذلك مع تعاليم هذا الدين، وآيات كتاب الله؟ تلك التي تحض على العمل بمقتضى الاعتقاد الصحيح؟!

إن ذلك مهزلة، ولكنها حظيت بتأييد كثير من العلماء المعاصرين مع الأسف.

لقد ربّت هذا الفكر على التسيب والانحراف داخل المجتمعات الإسلامية، وأوجد له الفتاوى العريضة.

فشجع على الفسق والفجور، والتهاون في شأن العبادات، مادام يحكم لهؤلاء بالإيمان، فهم يقرون بقلوبهم أنهم مؤمنون.

وسوف نستعرض في هذا الفصل أبرز الانحرافات التي شاعت في الأمة، بين المجتمعات الحديثة ومن أبرزها:

1-اضطراب مفهوم لا إله إلا الله على يد المرجئة:

لقد اضطرب مفهوم لا إله إلا الله، وصار عند كثير من المسلمين لا يعني أكثر من لفظ مجرد باللسان، ويتناسى هؤلاء أن الشهادة ليست كلمة تقال، وإنما هي مفتاح هذا الدين، ولها مقتضياتها أو إن الشهادة تعني أنه لا معبود إلا الله، ولا طاعة إلا له، وإلا فهي عبادة الشيطان.

فلا تعبد إلا الله في عقيدة القلب، ولا تعبد إلا الله في شعائر التعبد، ولا تعبد إلا الله في التشريعات، والتنظيمات التي تنظم علاقة البشر بعضهم ببعض… فهذا هو المعنى الحقيقي للشهادة، والذي كان القرآن في العهد المكي كله يتنزل لترسيخه في القلب، واستمر الجهد في العهد المدني ليعلم الناس أن هنالك إلهًا يجب أن يعبد كما أمر سبحانه )) . (148)

إلا أن الفكر الإرجائي جاء في العصر الأخير ليطمئن الغافلين على أنهم مؤمنون، مادامت قلوبهم قد استقر فيها الإيمان!

جاء في هذا العصر من يدعي أن من قال (( لا إله إلا الله فهو مؤمن، ولو لم يعمل عملًا واحدًا من أعمال الإسلام ) ).

لقد كان الإرجاء عقبة شديدة في وجه الدعوة السلفية، ومن أشد المصاعب التي واجهت دعوة ابن تيمية وابن عبد الوهاب رحمهما الله. إذ التجأ الخرافيون والمبتدعة إلى اتهام علماء التجديد بأنهم يكفرون الناس، فكان سيف الإرجاء من أمضى الأسلحة لتحريش غوغاء العامة. (149)

يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن - رحمه الله - بعد أن تحدث عن عظم شأن كلمة لا إله إلا الله: (( أين هذا الواقع من أهل هذا الزمان، جعلوا المتلفظ بها عادة وهذيانًا.. فهي عندهم الإسلام والإيمان، مع ما هدموه من التوحيد الذي هو حق لله، وأكبوا وأقبلوا على عبادة المشاهد والأوثان، وضيقوا الفرائض وسائر الأركان، وزين لهم ما ارتكبوه من التبدع والتنطع والعصيان إلا أنهم يقولون: لا إله إلا الله. فما أحسن ما قاله شيخ الإسلام رحمه الله: (( لا إله إلا الله سماها الله كلمة التقوى، فجعلوها كلمة الفجور ) ). (150)

فالمرجئة القدامى لم يتطرقوا إلى إسقاط الصلاة أو التحاكم إلى شريعة الله، كما أسقطها المرجئة المحدثون…

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت