فهرس الكتاب

الصفحة 1744 من 2255

لقد جاء الإسلام لكي يؤكد موقفه من العمل الحضاري من خلال رؤية متوازنة تضم جناحيها على كل ما هو روحي أخلاقي ومادي جسدي في الوقت نفسه .. ونجد أنفسنا ونحن نطالع كتاب الله، أو نقرأ سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - بإزاء تأكيدات عديدة، آيات وأحاديث، تضع الجماعة البشرية المؤمنة في قلب العالم والطبيعة، وتدفعها إلى أن تبذل جهدها من أجل التنقيب عن السنن والنواميس في أعماق التربة، وفي صميم العلاقات المادية بين الجزئيات والذرات.. إننا بإزاء حركة حضارية شاملة تربط، وهي تطلب من الإنسان أن ينظر في السماوات والأرض، بين مسألة الإيمان ومسألة الإبداع، بين التلقي عن الله والتوغل قدمًا في مسالك الطبيعة ومنحنياتها وأغاميضها، بين تحقيق مستوى روحي عالٍ للإنسان على الأرض وبين تسخير قوانين الكيمياء والفيزياء والرياضيات لتحقيق الدرجة نفسها من التقدم والعلو الحضاري على المستوى المادي"المدني". ولم يفصل الإسلام بين هذا وذاك، إنه يقف دائمًا موقفًا شموليًا مترابطًا، ويرفض التقطيع والتجزيء في تقييم الموقف"الحيوي"أو الدعوة إليه .. ولقد انعكس هذا"التوحد"بين قيم الروح والمادة بوضوح كامل عبر مسيرة الحضارة الإسلامية التي قطعت القرون الطويلة وهي تحتفظ بتوازنها المبدع بين الطرفين، وأنجزت وابتكرت وكشفت ونفّذت الكثير الكثير من المعطيات الحضارية التي لم تهمل جانبًا من الجوانب المرتبطة جميعًا، ارتباطًا وثيقًا، بخلافة الإنسان على الأرض، ودوره الحضاري في العالم… وما كان لها إلاّ أن تكون كذلك، وهي تعمل في ظلال مناخ حضاري متوازن، نتلمسه بوضوح من خلال آيات عديدة هذه بعض نماذجها:

(أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ ) [سورة الأعراف: من الآية 185] .

(فلينظر الإنسان إلى طعامه * أنا صببنا الماء صبا * ثم شققنا الأرض شقا * فأنبتنا فيها حبا * وعنبا وقضبا * وزيتونا ونخلا * وحدائق غلبا * وفاكهة وأبا) [ عبس:24ـ31] .

(فلينظر الإنسان مم خُلق * خُلق من ماء دافق * يخرج من بين الصلب و الترائب) [الطارق:5ـ7] .

(أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج * والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج * تبصرة وذكرى لكل عبد منيب * ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد * والنخل باسقات لها طلع نضيد) [ق: 6 ـ 10] .

(... انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ...) !! [سورة الأنعام: من الآية 99]

(فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ) ؟ [سورة الروم: من الآية 50] .

(...وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا...) ؟ [سورة البقرة: من الآية 259] .

(أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت * وإلى السماء كيف رفعت * وإلى الجبال كيف نصبت * وإلى الأرض كيف سطحت) [الغاشية:17 ـ 20] .

(قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ) (سورة العنكبوت: 20) [العنكبوت:20]

إن القرآن ـ من خلال هذه الآيات، وغيرها كثير ـ يريد أن يضعنا في قلب الطبيعة، على مستوى الكون والعالم، وأن يختار لنا موقعا"تجريبيا"يعتمد النظر والتمعن والفحص والاختبار من أجل الكشف والابتكار والإبداع، ومن أجل ألاّ نفقد توازننا الحضاري، فنجنح باتجاه الروح أو الأخلاق، ونهمل التكييف والتطوير الماديين الملازمين لأي حضارة متوازنة تريد أن تتحقق بالشرط الأساسي للوجود الإنساني على الأرض، وهو عبادة الله، والتوجه إليه أخذًا وعطاء.

إن هنالك بداهة من أشد بداهات الإيمان أهمية، تلك هي أن الله سبحانه ما دام قد"عبر"عن إبداعه وقدرته الكلية على مستوى الروح والمادة، والإنسان والطبيعة، فليس ثمة معنى أبدًا لأي موقف بشري من المادة أو الطبيعة يتميز بالهروب أو الاحتقار أو السلبية أو الاستعلاء، إن هذا"الموقف"مهما كانت درجته، غير مسوّغ في بداهات الإيمان، ولا في مقتضيات"الاستخلاف"، ليس هذا فحسب، بل إنه يقف نقيضًا لهذه البداهات والمقتضيات، ومن ثم فهو مرفوض في الرؤية الإسلامية ابتداء ..

إن كتاب الله يوجه أنظارنا، في الآيات السالفة، إلى أشد الأمور مادية وثقلًا: الطعام، النطفة الأولى، الأرض والسماء والجبال، وإلى دنيا النبات والحيوان.. ويدعونا لأن نسير بحثًا عن سنن هذه العوالم ، وإدراكا لأبعاد خلقها المعجزة التي لا تتحقق إلا بإرادة كلية نافذة لا يعجزها شيء .. إن القرآن يدعو إلى حضارة تنمو وتزدهر على كل المستويات الروحية والأخلاقية والطبيعية، وهو يخصص المقاطع والآيات الطوال للإبداع الحضاري في مستواه الطبيعي، المادي، ولكنْ شرط أن تضبطه القيم والمعايير الدينية الآتية من عند الله.

إن كل آية أو مقطع قرآني يتناول مسألة طبيعية، أو حيوية، أو مادية ينتهي بأفعال التقوى والإيمان، والدعوة إلى ربط أي فاعلية بالله .. وهذا التأكيد المتكرر له مغزاه الواضح .. إن منطق"التوازن الحركي"الذي يرفض الانحراف أو السكون هو القاعدة التي نتلمسها في القرآن الكريم بوضوح من خلال عدد كبير من آياته البينات، والتي تكفل نموًا سليمًا لأي حضارة تستطيع أن تحافظ على نقطة التوازن بين تجربتي الروح والمادة، ولا تنحرف باتجاه إحداهما، مهملة الأخرى، أو ضاغطة عليها، مستخدمة إزاءها أساليب القمع والكبت والتحديد .. التوازن الذي يمكن الحضارة من الحركة الدائمة؛ لأن الأهداف التي يضعها أمامها تأخذ مستويات صاعدة لا يحدها أفق، ولا يقف في طريقها تحديد صارم .. إنها تبدأ بتأمين متطلبات الحياة اليومية المباشرة وتتقدم ـ بعد هذا ـ صوب إعمال الفكر في قلب العالم للكشف عن نواميسه، أو في أطراف الكون لإدراك سره المعجز.. هذه الفاعلية التي ما لها من حدود تقف عندها .. ومن ثم توالي خطواتها لتنفيذ أكبر قدر من ضمانات التجربة الروحية الشاملة، وإيصالها إلى مطامحها التي تتجاوز الأرض إلى السماء، وتغادر اللحظة الموقوتة العابرة إلى عالم الخلود.

إن القرآن الكريم يبين لنا ـ غير مرة ـ أن علاقة الإنسان بالحاجات المادية الجسدية علاقة صميمة، وأن حبه لإشباعها مركوز في جبلته التي يشكلها الجسد تمامًا كما تحركها الروح والإرادة والقدرات العقلية:

(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) [سورة آل عمران: 14] .

إلاّ أن الخطوة الحاسمة التي يخطوها الإسلام متميزًا بها عن سائر المذاهب والنظريات، أنه يضع أهدافًا أعلى، وقيمًا أوسع وأكثر شمولًا من مجرد تضييق نطاق الحياة البشرية في البحث عن إشباع الحاجات الجسدية، على ثقلها؛ لأن تركيز الهدف النهائي للإنسان في الإشباع وحده يشده إلى الأرض ويلصقه بترابها، ويبعده عن مواقع الاستشراف الإيماني الشاملة الرحبة:

(وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ) [سورة محمد: من الآية 12] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت