فهرس الكتاب
"القيم"التي يؤمن بها و"الأهداف"التي يسعى لبلوغها، فيما يعتبر جميعًا ـ في نظر الإسلام ـ عبادة شاملة يتقرب بها الإنسان إلى الله، وتجيء مصداقا للآية:
(وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) . [الذاريات:56] .
ويتحدث القرآن الكريم عن هذا"السباق"الحضاري عندما يصف المؤمنين بأنهم *يسارعون في الخيرات* وأنهم (لها سابقون) ، وفي كلا التعبيرين نلمس بوضوح فكرة"الزمن"ومحاولة اعتماده لتحقيق أكبر قدر ممكن من المعطيات، ما تلبث أن ترتقي ـ بمقاييس الكم والنوع ـ بمجرد أن يتجاوز"المسلم"مرحلة"الإيمان"إلى المراحل الأعلى التي يحدثنا القرآن عنها
في أماكن عديدة:"التقوى"و"الإحسان".. وهكذا تجيء"التجربة الإيمانية"لا لكي
تمنح الحضارة وحدتها وتفردها وشخصيتها وتماسكها، وتحميها من التفكك والتبعثر والانهيار، فحسب، وإنما لكي ترفدها بهذين البعدين الأساسيين اللذين يؤول أولهما إلى تحقيق انسجامها مع نواميس الكون والطبيعة:
(أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها وإليه يُرجعون ؟ ) [آل عمران:83] .
(ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يُقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) [آل عمران:85] .
ويعطيها ثانيهما قدرات إبداعية أكثر وأعمق، تفجر على أيدي أناس يشعرون بسمؤوليتهم، ويعانون يقظة ضمائرهم، ويسابقون الزمن في عطائهم؛ لأنهم يؤمنون بالله واليوم الآخر
و ( ... لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا...) [القصص: 83] .
7 ـ مجابهة التخريب والإفساد …
وفي مقابل الدعوة إلى العمل والإبداع يندّد القرآن بكل عمل أو نشاط خاطئ من شأنه أن يؤول إلى الفساد في الأرض، وإلى هدم وتدمير المكتسبات التي يصنعها العمل الصالح بالصبر والدأب والمثابرة ، وهو من موقفه هذا يسعى إلى حماية منجزات الإنسان الحضارية، ووقْف كل ما من شأنه أن يعوق مسيرتها ونموها، وملاحقة أي محاولة لإنزال الدمار بها من الداخل تحت أي شعار كانت.
وهذه الحماية الحضارية لا تنصب على الجوانب المادية"المدنية"من الإنجاز البشري
فقط، بل تتجه إلى ما هو أكثر أهمية، وما يُعدّ أساسًا للإنجاز المادي نفسه تلك هي المعطيات الفكرية والأخلاقية والروحية و"الثقافية"بمفهومها الشامل من أجل الصمود في المواقع التي بلغها الإنسان، وهو يواصل طريقه لأعمار العالم، عبر سلسلة طويلة من كفاح مبعوثي الله تعالى إلى بني آدم.
إن الإصلاح والأعمار المنوطين بالاستخلاف مسائل تتداخل فيها كل الفاعليات الحضارية، مادية وأخلاقية وروحية، وإن أي ضرر أو إفساد يلحق بأحدها ينعكس ـ بشكل أو بآخر ـ على الجوانب الأخرى، وهذا واضح بين في أكثر من آية:
(أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ لا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [سورة التوبة: 109-110] .
(وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا) [الأعراف:56] .
( وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ) [الأعراف: 142] .
(وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) [سورة الرعد: 25] .
(وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ) [سورة الشعراء: 151-152] .
(قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) [سورة هود: 88] .
(وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) [سورة المائدة: من الآية 64] .
{ الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون } [هود:19] .
والقرآن الكريم لا يكتفي بتقديم هذه الأمور ذات الطابع السلبي عن الإفساد الروحي
والمادي، وعما يؤول إليه من دمار لحضارة الإنسان، ولرقيه وسعادته وتقدمه، ومن عرقلة لدوره في العالم، كخليفة مستعمر فيه، ولكنه يطلب من الجماعة المؤمنة أن"تتحرك"لوقفه بأسرع ما تستطيع وبأقصى ما تطيق، لئلا يتحول"الفساد"إلى فتنة عمياء لا ترحم أحدًا ولا تبقي، وهي تدوم فوق رؤوس الجماعة كلها، ظالمًا أو مظلومًا:
(وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [سورة الأنفال: 25] .
(فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) [سورة هود:116- 117] .
إن الرؤية الإسلامية ترفض، في موقفها من الحضارة، أشد ما ترفض، صيغ التجزئة والفصل وإقامة الجدران بين مساحات التجربة البشرية، وترى فيها وحدة حيوية تسري فيها روح واحدة وتغذيها دماء واحدة، وإن تجزئتها وعزل بعض جوانبها، خلال العمل، عن بعضها، ليس خطأ فحسب، لكنه مسألة تكاد تكون مستحيلة، إذا أردنا ـ مسبقًا ـ أن نصل إلى نتائج صحيحة.
8 ـ التوازن بين الثنائيات وتوحدها …
سنطيل الوقوف، بعض الشيء، عند هذه المسألة؛ لأنها تكاد تمثل أكثر الملامح الإسلامية أهمية في التصور الإسلامي للحضارة .