فهرس الكتاب

الصفحة 1742 من 2255

إنه يريدنا أن نتعامل مع الكتلة الكونية، وأن نكشف عن قوانينها لتنمية الحياة التي سخرت إمكاناتها للإنسان من أجل التحقق باستخلافه العمراني في العالم، بدلًا من هدر الطاقة فيما هو خارج عن حدودها وإمكاناتها وضرورات صيرورتها الحضارية في الأرض.

4 ـ مبدأ الاستخلاف:

لقد استخلف الله سبحانه الإنسان في هذا العالم، وأناط به مهمة تطويره وإعماره، وتذليل صعابه، والاستجابة لتحدياته من أجل تسوية أرضيته كي تكون أكثر ملاءمة لحياة مطمئنة تعلو على الضرورات، بعد أن تتحرر منها، وتكون أكثر قدرة على التوجه إلى السماء، إلى خالقها جل وعلا، دون أن يحني ظهورها ثقل الجاذبية وضرورات المادة الصلبة.

إن مبدأ الاستخلاف يتكرر أكثر من مرة في القرآن الكريم: (هو الذي جعلكم خلائف في الأرض فمن كفر فعليه كفره، ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا، ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا )

[فاطر:39] . (وهو الذي جعلكم خلائف الأرض، ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم) . [الأنعام:165] . (...واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بصطة فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون) [الأعراف:69] . (...قال: عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون ) [الأعراف: 129] . (...ويجعلكم خلفاء الأرض، أإله مع الله؟ قليلا ما تذكرون) . [النمل:62] .

ومسألة الاستخلاف تبدو من خلال هذه الآيات مرتبطة بالخيط الطويل العادل من طرفيه: العمل والإبداع ومجانبة الإفساد في الأرض من جهة، وتلقي القيم والتعاليم والشرائع عن الله سبحانه، والالتزام الجاد بها خلال ممارسة الجهد البشري في العالم من جهة أخرى.

والعلاقة بين هذين الطرفين علاقة أساسية متبادلة بحيث أن افتقاد أي منهما سيؤول إلى الخراب والضياع في الدنيا والآخرة، ويقود إلى عملية استبدال للجماعة البشرية بغيرها ممن

تقدر على الإمساك بالخيط من طرفيه: العمل والجهد والإبداع، والتلقي الدائم عن الله لضبط وتوجيه هذا العمل والجهد في مسالكه الصحيحة التي تجعل الإنسان يقف دائمًا بمواجهة خالقه، خليفة مفوضًا لإعمار العالم: (...قال: يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، هو الذي أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها .. ) . [هود: 61] .

ولن يكون بمقدور المسلم تنفيذ مطالب مهمته الاستخلافية ومنحها الضمانات الكافية، وإعانتها على تحقيق أهدافها، ما لم يضع خطواته على البداية الصحيحة"للتحضر"فيكشف عن سنن العالم والطبيعة ونواميس الكون القريب من أجل الإفادة من طاقاتها المذخورة، وتحقيق قدر أكبر من الوفاق بين الإنسان وبين محيطه. وبدون هذا فإن مبدأ الاستخلاف لن يكون بأكثر من نظرية أو عقيدة تسبح في الفراغ.

5 ـ مبدأ التسخير:

وهو يرتبط بسابقه أشد الارتباط، ويُعد بدوره ملمحًا أساسيًا من ملامح التصور الإسلامي للكون والعالم والحياة والإنسان، ويتطلب اعتماد مناهج العلم وآلياته لتحويله إلى أرض

الواقع، والتحقق بعطائه السخي.

إن العالم والطبيعة، وفق المنظور الإسلامي، قد سُخّرا للإنسان تسخيرًا، وإن الله سبحانه قد حدد أبعادهما وقوانينهما ونظمهما وأحجامهما بما يتلاءم والمهمة الأساسية لخلافة الإنسان في العالم وقدرته على التعامل معه تعاملًا إيجابيًا فاعلًا.

وهناك آيات ومقاطع قرآنية عديدة تحدثنا عن هذا التسخير، وتمنحنا التصور الإيجابي لدور الإنسان الحضاري، ينأى عن التصورات السلبية للعديد من الفلسفات والمذاهب الوضعية التي جردت الإنسان من كثير من قدراته الفاعلة وحريته في حواره مع كتلة العالم، وتطرف بعضها فأخضعه لمشيئته هذه الكتلة وإرادة قوانينها الدينامية الخاصة التي تجيء بمثابة أمر لا رادّ له، وليس بمقدور الإنسان إلاّ أن يخضع لهذا الذي تأمر به.

إننا نشهد في كتاب الله صيغة أخرى للعلاقة بين الإنسان والعالم تختلف في أساسها.

صيغة السيد الفاعل الذي سُخّرت له وأخضعت مسبقًا كتلة العالم لتلبية متطلبات خلافته في الأرض وإعماره للعالم على عين الله: )...وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر ..) [النحل:12] . )وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا (. [النحل: 14] . ) ...وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار * وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار(. [إبراهيم: 32ـ 33] .

(فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب) . [ ص: 36] . )ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات

وما في الأرض...؟ ( [لقمان: 20] . ) ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن

الله ...(. [العنكبوت:61] .

إن (التسخير) هو الموقف الوسطي الفعّال الذي يقدمه القرآن الكريم بصدد التعامل مع العالم بدلًا من الخضوع والتعبد أو الغزو والانشقاق اللذين هيمنا على المذاهب الأخرى.

6 ـ روح العمل ... والإبداع..

نقرأ في كتاب الله هذه الدعوة الشاملة للعمل:

(وقل إعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون) . [التوبة:105] .

ونستمع إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وهو ينادينا:

"إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فاستطاع ألاّ تقوم حتى يغرسها فليغرسها، فله بذلك أجر".. فنعرف جيدًا كيف أن الدور الحضاري للإنسان المسلم يقوم على العمل والإبداع المتواصلين منذ لحظة الوعي الأولى وحتى ساعة الحساب!! ونعلم تمامًا كيف أن الحياة الإسلامية إنما هي فعل إبداعي مستمر.

ويبلغ من تأكيد القرآن على العمل والجهد البشري لإعمار العالم، على عين الله وتوجهه، أن ترد اللفظة بتصريفاتها المختلفة فيما يزيد على الثلاثمائة والخمسين موضعًا، وهي كلها تشيرـ سلبًا وإيجابًا ـ إلى أن المحور الأساسي لوجود الإنسان ـ فردًا وجماعة ـ على الأرض هو العمل الذي يتخذ مقياسًا عادلًا لتحديد المصير في الدنيا والآخرة، وهو"موقف"ينسجم تمامًا مع فكرتي"الاستخلاف"و"الاستعمار"الأرضي..

إن القرآن الكريم يحدثنا أن مسألة خلق الموت والحياة أساسًا إنما جاءت لابتلاء بني آدم، أيهم أحسن عملًا:

(الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور) . [الملك:2] .

كما يحدثنا في سورة العصر أن موقف الإنسان في العالم سيؤول إلى الخسران بمجرد افتقاد شرطيه الأساسيين:"الإيمان والعمل الصالح".. ويصدر أمره الحاسم إلى الأمة المسلمة أن تلتزم دورها الإيجابي الفعّال في قلب العالم:

(ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون * ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم) . [آل عمران: 104 ـ 105] .

وفي مكان آخر يصف هذه الأمة بأنها:

( ... كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله...)

[آل عمران: 110] .

إن"الإيمان"الذي يقوم عليه بنيان الدين يجيء دائمًا بمثابة"معامل حضاري"يمتد

أفقيًا لكي يصب إرادة الجماعة المؤمنة على معطيات الزمن والتراب، ويوجهها في مسالكها الصحيحة، ويجعلها تنسجم في علاقاتها وارتباطاتها مع حركة الكون والطبيعة ونواميسها، فيزيدها عطاء وقوة وإيجابية وتناسقًا.. كما يمتد عموديًا في أعماق الإنسان ليبعث فيه الإحساس الدائم بالمسؤولية، ويقظة الضمير، ويدفعه إلى سباق زمني موصول لاستغلال الفرصة التي أُتيحت له كي يفجر طاقاته، ويعبر عن قدراته التي منحه الله إياها على طريق

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت