فهرس الكتاب

الصفحة 2079 من 2255

وفي موازاة هذا كله استمرت مكتبة السيرة تشهد دراسات شمولية تتناول السيرة في حلقاتها كافة، ولكن وفق منهج أكثر دقة وانضباطًا وإحكامًا، يسعى لأن يضم جناحيه على أبعاد السيرة كافة دعوية وحركية وفقهية وسلوكية وسياسية وعسكرية... محاولًا ألا يمرر إلا المرويات الأكثر قبولًا على مستوى الرواية والدراية، أو الإسناد والمتن.

ولكن رغم هذا العطاء السخي، ظلت هنالك حلقة لم تنل حظها من البحث والدرس والاستقصاء والتحليل، بالمقارنة مع الحلقات الأخرى، تلك هي الحلقة الحضارية، أو بعبارة أكثر دقة: محاولة متابعة البعد الحضاري للسيرة، وتقديم تصور متكامل عن معطياته الأساسية.

ورغم أن العقدين الأخيرين شهدًا عددًا من المحاولات في هذا الاتجاه لا تتجاوز ـ ربما ـ أصابع اليد الواحدة، فإن الحاجة لا تزال تتطلب المزيد من المحاولات، من أجل إعطاء هذا الجانب من السيرة حقه، والإلمام بجوانبه كافة.

لقد بشَّر عصر الرسالة بمشروع حضاري، وتمكن من تنفيذ العديد من حلقاته، ووضع شبكة من الشروط التأسيسية التي مكنت الأمة الناشئة من بناء حضارتها المتميزة بعد عقود معدودة من الزمن.

ولعل المدوَّنات الأولى لأخباريّي ومؤرخي السيرة (كمغازي الواقدي، وسيرة ابن إسحق، وطبقات ابن سعد، وأنساب البلاذري، وتاريخ الطبري... إلخ) ، بإعطائها مساحة واسعة للمغازي (وأحيانًا للرجال أو الشمائل) ضيقت الخناق على البعد العمراني أو الحضاري لعصر الرسالة الذي تمكن بعد كفاح مرير من إقامة دولة الإسلام، ووضع التأسيسات الأولى لحضارته المتميزة.

عشرات السنين ومئاتها، ونحن نتحدث عن هذا العصر من الداخل، وبرؤية تجزيئية تتمركز عند الغزوات، والشمائل، والمفردات الفقهية، ولقد آن الأوان لاعتماد «رؤية الطائر» إذا صح التعبير، لاستشراف الملامح الأساسية للعصر، والإنجازات الكبرى لرسول الله -صلى الله عليه وسلم - وصحابته الكرام رضي الله عنهم.

ولا بد، من أجل التحقق برؤية كهذه، من استدعاء المؤرخ والمفسر والمحدث والفقيه والجغرافي وفيلسوف التاريخ والأديب لتوسيع نطاق الفضاء المعرفي عن العصر.. هاهنا حيث يصير النصّ القرآني والحديث النبوي الصحيح والممارسة التاريخية لعصر الرسالة التي يقدمها المؤرخ والفقيه، والملامح البيئية التي يقدمها الجغرافي، والخبرة الذاتية والموضوعية التي يقدمها الشاعر أو الأديب.. فضلًا عن الدلالات المحددة للكلمات والتعابير التي يحددها اللغوي.. المصادر الأساسية التي يكمل بعضها الآخر من أجل تحديد ملامح المشروع الحضاري الذي وعدت به ومهدت له، ووضعت شروطه التأسيسية، ونفذت بعض حلقاته، «سيرة» رسول الله -صلى الله عليه وسلم - .

إننا ونحن نتحدث عن «السيرة» وشروطها المنهجية، يجب ألا ننسى ـ لحظة واحدة ـ أن القرآن الكريم هو الوثيقة «التاريخية» الأكثر أهمية في دراسة العصر ومحاولة الإلمام بنبضه الأساسي وملامحه المتفردة، وأنه ـ أي القرآن الكريم ـ ينطوي على شبكة خصبة من المعطيات التاريخية التي تحمل مصداقيتها المطلقة، والتي تشكل ـ من ثَم ـ نقاط الارتكاز في بنية السيرة حيث يجيء المحدث والفقيه والمؤرخ واللغوي والجغرافي والأديب فيقيم بنيانه عليها.

وبنظرة سريعة إلى «أسباب النزول» في التفاسير القرآنية والمصادر الخاصة بالموضوع، يتبين للمرء الالتحام الحميم بين التنزيل والتاريخ: أن المعطى القرآني يرهص، ويصف، ويعقب، وينذر، ويعد، وهو في خطواته الخمس هذه يمارس تغطية تاريخية للعديد من وقائع السيرة المتشكلة في الزمن والمكان.. أي في التاريخ.

ولقد تحدث الأستاذ سيد قطب طويلًا عن هذه المسالة وهو يكتب مقدماته الخصبة في (الظلال) ، عبر تفسيره للسور التي قدمت مادة سخية عن العديد من الغزوات والوقائع والمعطيات التشريعية، على مدى عصر الرسالة من بدئه حتى منتهاه... كما تحدث عن طريقة عمل القرآن الكريم في إحداث التغيير، وهو في بدء التحليل ونهايته، تغيير تاريخي ينطوي بالضرورة على بعده الحضاري أو العمراني، بالمفهوم الشامل للكلمة.

لقد كانت حياة الرسول -صلى الله عليه وسلم - الكادحة وجهده الموصول حتى آخر لحظة، شهادة حية على قدرة هذا الرجل ـ النبي ـ على الإنجاز والتغيير، بكل ما تنطوي عليه الكلمتان من بُعد حضاري، ولقد جاءت شهادة الباحث الأمريكي المعاصر «مايكل هارت» في «المائة الأوائل» تأكيدًا لهذا المعنى (3) .

لقد حاول الباحث المذكور أن يستقصي ويدرس بمعياري الإنجاز والتغيير، أعظم مائة شخصية في تاريخ البشرية... ثم مضى لكي ينفذ خطوة تالية، باختيار أعظم رجل من بين هذه الشخصيات المائة، وبالمعيارين ذاتهما، فإذا باختياره يقع على محمد -صلى الله عليه وسلم - فيعتبره أعظم شخصية في التاريخ؛ وذلك في قدرته على تنفيذ إنجاز كبير ومتغيرات انقلابية تنطوي على الديني والدنيوي معًا.

وعندما جاءت السنة التاسعة للهجرة، ونزلت آيات (أو إعلان) براءة في صدر سورة التوبة، لتصفية الوجود الوثني في جزيرة العرب، كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم - قد حقق، وصحابته الكرام ـ رضي الله عنهم ـ على مستوى الفعل التاريخي، المنجزات التالية التي ينطوي كل منها على بُعد حضاري مؤكد:

أولًا: التوحيد في مواجهة الشرك والتعدد.

ثانيًا: الوحدة في مواجهة التجزؤ.

ثالثًا: الدولة في مواجهة القبيلة.

رابعًا: التشريع في مواجهة العرف.

خامسًا: المؤسسة في مواجهة التقاليد.

سادسًا: الأمة في مواجهة العشيرة.

سابعًا: الإصلاح والإعمار في مواجهة التخريب والإفساد.

ثامنًا: المنهج في مواجهة الفوضى والخرافة والظن والهوى.

تاسعًا: المعرفة في مواجهة الجهل والأمية.

عاشرًا: الإنسان المسلم الجديد الملتزم بمنظومة القيم الخلقية والسلوكية المتجذرة في العقيدة، في مواجهة «الجاهليّ» المتمرس على الفوضى والتسيب وتجاوز الضوابط وكراهية النظام.

وكانت آيات القرآن الكريم وأحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم - وتعاليمه قد أرست جملة من القيم المنهجية وآليات العمل التي مهدت للمتغيرات العشرة آنفة الذكر، ودعمتها، ووضعت ـ إلى جانبها ـ شبكة من الشروط هيأت المناخ الملائم للفعل الحضاري، ومن بين تلك القيم والآليات:

1 -المعرفة هي حجر الزاوية.

2 -النزوع إلى الأمام.

3 -التحذير من هدر الطاقة.

4 -مبدأ الاستخلاف.

5 -مبدأ التسخير.

6 -التحفيز على العمل والإبداع.

7 -مجابهة التخريب والإفساد.

8 -التوازن بين الأضداد والثنائيات، وتوحدها.

9 -التناغم والوفاق مع الطبيعة والعالم والكون.

10 -تحرير الإنسان والجماعات والشعوب على المستويات كافة (1) .

لقد جاء الإسلام لكي يتحرك وفق دوائر ثلاث تبدأ بالإنسان وتمر بالدولة، وتنتهي إلى الحضارة التي سيقدر لها أن تنداح لكي تغطي مساحات واسعة من العالم القديم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت