فهرس الكتاب
«عن أبي عثمان الهمدي قال: لما جاء المغيرة إلى القنطرة، فعبرها إلى أهل فارس، فأجلسوه، واستأذنوا رستم في إجازته، ولم يغيّروا شيئًا من شارتهم تقوية لتهاونهم، فأقبل المغيرة بن شعبة والقوم في زيهم، عليهم التيجان والثياب المنسوجة بالذهب، وبسطهم على غلوة (والغلوة مسافة رمية سهم، وتقدر بثلاثمائة، أو أربعمائة خطوة) لا يصل إلى صاحبهم، حتى يمشي عليها غلوة، وأقبل المغيرة، وله أربع ضفائر يمشي حتى يجلس على سريره ووسادته، فوثبوا عليه فترتروه وأنزلوه ومغثوه.. فقال: كانت تبلغنا عنكم الأحلام، ولا أرى قومًا أسفه منكم. إنا معشر العرب سواءٌ لا يستعبد بعضُنا بعضًا... فظننت أنكم تواسون قومكم كما نتواسى، وكان أحسن من الذي صنعتم أن تخبروني أن بعضكم أرباب بعض..» .
كذلك وقف ربعي بن عامر مع رستم هذا وحاشيته قبل وقعة القادسية...
قد نسمع بعضًا الآن يؤكد قائلًا: إني لا أفتقد الحرية.
وأنا أؤكد معه ذلك؛ فالإنسان لا يفتقد أبدًا شيئًا لم يحصل عليه، ولا يشعر بالأسى إلا من ذاق السعادة؛ وذكرى الفرح المنقضي تأتي فقط مع الألم.
إن موضوع الحريّة من الموضوعات التي هُجرت في البحث والبيان؛ ولذلك يصعب على الإنسان التوجه إلى بحثها وفهمها، وحتى إذا بحثها، فربما يعجز عن تفهيمها للآخر الذي يسمع منه هذا الأمر، وكأنه يسمع إلى مجنون يهذي.
أمّا نحن فنؤكد أن النفس البشرية لن تسعد أبدًا، ولن يطيب لها عَيش وهي مستعبدة من أحد غير خالقها، حتى ولو ملكت ما في الأرض جميعًا فستظل هكذا حائرة، تائهة، طريدة، تصرخ من الألم، وتضحك كالمجنون، وتجري كالمطارد، وتعربد كالسِكير؛ تبحث عن لا شيء، وتجري وراء أخيلة، وتقذف بأثمن ما تملك، وتحتضن أقذر ما تمسك به يداها من تفاهات، ثم تسأل ـ إن أفاقت من نومها العميق ـ: كيف حدث لها هذا؟ وما هذه اللعنة التي أصابتها؟ فتدرك أنها فقدت حريتها، ومن ثم فقدت قيمة حياتها.
-الهروب إلى الحريّة:
عندما ينغلق أحد الطرق الموصلة للهدف، تنفتح طرق أخرى.. وأولو الألباب هم الذين يجدون عندها ما يمكن عمله؛ فماذا يمكننا عمله، حتى نخرج مما نحن فيه من استبداد؟
إن الخطوة الأولى في الطريق إلى الحريّة هي: الوعي بـ «كيف» يعمل الاستبداد؟
إن المستبد لا يعمل منفردًا بل تتعاون معه عصابة قليلة العدد تتقاسم معه الأرباح والجريمة.
والخروج من استبداده في جملتين اثنتين: «الشعور بالحاجة إلى التحرر، وتصور البديل لحياة الاستعباد» ذلك أن الأمة التي لا تشعر بآلام الاستبداد لا تستحق الحرية؛ كما أنه لا يقوم مهندس عاقل بهدم البيوت القديمة، ليترك أصحابها تحت المطر والريح، بل هو يهيئ البيوت الجديدة، فإذا انتقل السكان إليها لم يرجعوا إلى القديم قط.
لقد حاول الكواكبي قبل قرن أن يضع ثلاث معادلات للخلاص من الاستبداد: «أن الأمة التي لا تشعر بالحرية لا تستحقها، وأن التغيير يتم بالتدريج واللين، وأنه ليس المهم استبدال الحاكم، وإنما تقويض الاستبداد، تقويض الطغيان، كل الطغيان، وليس زحزحة تاج الطاغية إلى طاغية آخر..» (1) .
إن الناس حينما تبتلعهم مشاغلهم اليومية، ويغرقون في مستنقعاتها الآسنة، لا يشعرون بأدنى حاجة للحريّة، فضلًا عن أن يبدوا أدنى رغبة في التضحيّة لأجلها.
ـ وقصة أصحاب الأخدود مع الغلام المؤمن خير شاهد...
لقد كان القوم أهل كفر.. يعبدون غير الله.. ملكًا جبارًا.. زادهم غرقًا وانقيادًا لعالم المادة.
وفي مثل هذه الظروف العصيبة، وهذا الظلام الدامس يأبى الله العزيز الحكيم إلاّ أن تبقى قلّة من الناس يرفضون الانسياق، ويتواصون بالحق الذي بين أيديهم.
وكان من عناية الله بالفتى أن عثر على أحدهم، وعنه تعلّم الدين الحق، وتجنّد لحمل أعباء الإيمان به؛ في زاوية متطرّفة؛ بعيدًا عن أعين الناس.
والناس لا يزالون في غيّهم يعمهون، حتى جُمعوا في صعيد واحد بأمر الملك ليشهدوا قتل الغلام.
كان مقيّدًا والملك يرميه سهمًا تلو سهم دون أن يصيبه.
فقدَ الملك توازنه، وبدا وكأن الناس لا يقوون على تصديق أن إلههم عاجز عن قتل غلام.
وفي قمّة انفعال الملك واضطرابه أدرك الغلام أن الفرصة حانت لجعل المكر يحيق بأهله، فنادى في الملك على مسامع الجميع: إنك لن تقتلني إلاّ باسم ربّي.
ولم يتأخّر رأس الكفر، وأطلق سهمه، وقتل الغلام؛ فاستفاق الناس على حقيقة كبيرة هزتهم من أعماقهم.. «هنالك رب أقوى من الملك» هذا يعني أنه أوْلى بالعبادة والخضوع له، وأنهم ليسوا مرغمين على بذل الخنوع والذل الذي يقتات عليه ملكهم منذ أن استخف عقولهم، ومرّغ كرامتهم في التراب.
لماذا كان هذا هو رد فعلهم؟
لأنهم لم يتلقّوا الحقيقة في مجالس باردة، ولم يتلقوا الحقيقة من كلمات وحروف جافة ميتة لا حركة معها، بل تلقوها حيّة تنتفض مختلطة بدماء أصحابها.
كان أمام الغلام عشرات الخيارات الأخرى الأقل تكلفة، لكنه اختار أشدّها وقعًا في النفوس، اختار ما تهابه النفوس غالبًا ولا تقوى على بذله.
فما أذكى الغلام، وما أتعسنا!
إن أكثرنا ـ آباء ومربين ـ يقلّب وجهه في السماء، ويعمل فكره في الكون باحثًا عن السبب الذي يجعل تربيتنا لا تصيب هدفها، وكلماتنا لا تأتي بتأثيرها التربوي المطلوب.
ونحن إذا أردنا الحقيقة، لا تنقصنا الكلمات، وإنما تنقصنا «روح» الكلمات.
إننا نمنح أبناءنا ما عندنا من خبرة ووعي في صورة ذهنية باردة، فلا يشعرون بها نديّة رطبة بعرق جهودنا.
بينما الواجب أن نجعل هؤلاء الأبناء يدركون أننا بذلنا جهدًا كبيرًا، وسهرنا الليالي الطوال، حتى ننتزع لهم نسخة من أعماق ما نحمله ونؤمن به.
إن الأفكار التي لم تقطف إلا شوك العبودية، لا ينتظر منها أبدًا أن تعطينا رحيق التحرر.
إن هذه الأفكار الميّتة ليس لها مكان أليق بها إلا مقابر الفكر.. فهذا هو أكرم مكان لجثث الموتى.
إننا في أمسّ الحاجة لأفكار تبث روح الأمل في أبنائنا، وتبعث فيهم القيم الحضارية، وعلى رأسها قيمة العدل والحرّية؛ تلك القيمة العظيمة التي لا يستحقها إلا من «يغزوها» ويقتحمها، ويكافح في سبيلها كل يوم.
إننا لا بد أن نربأ بأبنائنا عن هذه الرذيلة التعيسة، رذيلة «العبودية» لبشر من البشر، بل عن هذا المسخ من مسوخ الرذيلة التي لا يستحق حتى اسم الجبن، ولا يوجد في اللغة كلمة تعبّر عن قبحه تعبيرًا كاملًا، بل إن اللغة ربما تأبى تسميته.
إن القرآن يعلمنا أسباب هذا الاستعباد، ومن الجاني فيه، ومن الضحية؟ وهو يؤكد أن ما يقع لنا إنما هو بما كسبت أيدينا، ويعلمنا الطريق إلى الخروج منه، وأن الله لا يغيّر ما بقوم، حتى يغيروا ما بأنفسهم.
تفكّروا معي! هل يمكن لطفل أن يقود جملًا إلا أن يكون الغلام يحمل من الوعي ما يفقِده الجمل؟
وبالمثل لا يمكن لطاغية أن يقعد على رقبة أُمّة إلا أن تكون هذه الأُمة تملك استعدادًا للعبودية «القابلية للاستعباد» .
إن الإنسان باختياره وإرادته يتنازل عن حريّته، بل لو أن الظفر بحريّته كان يكلفه شيئًا لم نحثه على السعي إليها.. ولكن نوالَ الحريّة لا يتطلب من كل إنسان إلا أن يرغب فيه ويريده.
إن من يستقرئ وقائع التاريخ وسجلات الماضي يتأكد لديه أن من عقدوا العزم على الخروج من عبودية الطغاة، وبذلوا الجهد في سبيل ذلك نجحوا في الوصول إلى أهدافهم.