واليوم تشكّل الأفكار الخاطئة، والمفاهيم المنحرفة قيودًا وأغلالًا تمنع المسلم من التحرّك لتغيير واقعه، واقع العبودية الذليلة، ولن يضع عنه الأغلال التي صارت عليه إلا تصحيح تلك الأفكار، ومنها:
ـ اعتقاد أن «لا إله إلا الله» كلمة تطلق في الهواء، وأنه ليس لها مقتضيات!!
ـ حصر العبادة في الشعائر.. بينما هي غاية الوجود الإنساني كله: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] .
ـ الخضوع لأي سلطة مهما كانت الشريعة الذي تقوم عليها، بزعم أنها أولو الأمر (1) .
إنه لا يؤدي بالناس إلى «كارثة الاستعباد» إلا عدم وضوح حقيقة الألوهية، وحقيقة الإنسان، وحقيقة الحياة، وحقيقة الكون.
وما حياة المستعبدين في حقيقتها إلا قصة جهل، وإهمال، وسوء استخدام، وخيانة لأفكار الإسلام الصحيحة.
وهذه الخيانة التي هي جذور إخفاق الأمة من جميع النواحي الأخلاقية والسياسية.
لقد كان ضعف تأثير الإسلام في الحياة العملية للمسلمين مصحوبًا دائمًا بانحطاطهم، وانحطاط مؤسساتهم السياسية والاجتماعية.
إننا إذا استمسكنا بإسلامنا استمساكًا حقيقيًا لا يمكن استعبادنا، أو إيقاعنا في الجهالة، أو تجهيلنا، أو تمزيق وحدتنا.
«إن ظاهرة التخلي عن الإسلام، أو هجره تتجلى بوضوح في محاولات قمع الفكر الإسلامي، واستبعاده من الحياة النشطة المتوثبة، كما تبدو في تحجيم الإسلام إلى حالة من السلبية والتسطيح. ويمكن ملاحظة هذا بأكبر قدر من الوضوح في طريقة تناولنا اليوم للقرآن.
إن الإخلاص للقرآن لم يتوقف، ولكنه فقد خصوصيته الفاعلة. لقد استبقى الناس في أفئدتهم من القرآن ما أشيع حوله من تصوف ولا عقلانية؛ بينما فقد القرآن سلطانه كشريعة ومنهج حياة، واكتسب قداسته (كشيء) .
وفي دراسة القرآن وتفسيره استسلمت الحكمة للمماحكات اللفظية، واستسلم الجوهر للشكل، واستسلمت عظمة الفكر للمهارة والحفظ. أما ما يحث عليه القرآن من: جهاد، واستقامة، وتضحية بالنفس والمال، كل ذلك قد ذاب وتلاشى في ضباب الصوت الجميل لتلاوة القرآن، وحفظه عن ظهر قلب. هذه الحالة الشاذة قد أصبحت الآن مقبولة كنموذج سائد بين الشعوب المسلمة؛ لأنها تتناسب مع أعداد متزايدة من المسلمين لا يستطيعون الانفصام عن القرآن، ولكنهم من ناحية أخرى لا يملكون القوة، أو الإرادة على تنظيم حياتهم وفق منهج القرآن.
ولعل التفسير النفسي لهذه المبالغة التي يخلعها الناس على التلاوة المنغمة للقرآن يكمن في هذه الحقيقة؛ فالقرآن يُتلى، ثم يفسر ويُتلى، ثم يدرس ويُتلى مرة أخرى، وهكذا تتكرر الآية ألف مرة ومرة، حتى لا نطبقها في حياتنا مرة واحدة.
إن واقع المسلم بكل تناقضاته، وكل ما فيه من فصام بين الكلمة والفعل، وانحرافه عن الواجب، وشيوع الفساد والظلم والجبن، وافتقاره إلى المثل العليا وإلى الشجاعة، وانتشار الشعارات الإسلامية المثيرة، والتشدد المتنطع في أداء التكاليف الدينية، والاعتقاد بدون إيمان حقيقي فعّال ـ كل هذا ليس إلا انعكاسًا خارجيًا للتناقض الأساس الذي أحطنا به القرآن، والذي يتمثل في الحماس المشتعل للقرآن من ناحية، والإهمال الكامل لمبادئه في الممارسة العملية من ناحية أخرى.
إن هذا التناقض في التعامل مع كتاب الله: هو السبب الأول والأكبر أهمية في الطغيان، وقبول الاستعباد.
-الحريّة المفقودة:
في الجاهلية الأولى، وفي كل جاهلية «كانت القدرة على الظلم قرينة العزة والجاه في عرف السيد والمسود!!
وما كان الشاعر النجاشي إلا قادحًا مبالغًا في القدح حين استضعف مهجوه؛ لأن:
قبيلته لا يغدرون بذمة، ولا يظلمون الناس حبة خردل.
وكان حجر بن الحارث يستعبد بني أسد بالعصا؛ فيتوسل إليه شاعرهم عبيد بن الأبرص، فيقول:
أنت المملك فيهمُ وهم العبيد إلى القيامهْ
ذلّوا لسوطك مثلما ذل الأشيقر ذو الخزامه
وكان عمرو بن هند يعوّد الناس أن يخاطبهم من وراء ستار..!
أمّا النعمان بن المنذر فقد بلغ به العسف أن يتخذ لنفسه يومًا للرضى يغدق فيه النعم على كل قادم إليه خبط عشواء، ويومًا للغضب يقتل فيه كل طالع عليه من الصباح إلى المساء!» (1) .
أمّا في الإسلام فقد «تضافرت مصادر التربية الإسلامية على إدانة الظلم، وتنفير المسلم منه في جميع مظاهره وأشكاله.
فالقرآن يشيد بالذين يرفضون الظلم، ويتناصرون لمقاومته، ويستنهض هممهم لمنازلته: {وَالَّذِينَ إذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ * وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ * إنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الشورى: 39 - 42] .
والرسول -صلى الله عليه وسلم - يجعل خنوع الأمة، وعدم تناصرها لمقاومة الظلم من العلامات الدالة على موتها، وانتهاء مسوغات وجودها: «إذا رأيت أمتي لا يقولون للظالم منهم أنت ظالم، فقد تُوُدِّعَ منها» أخرجه أحمد (2) .
ومن هنا كان من السلوكيات الهامة التي يجب أن نرشد إليها أبناءنا: نصرة العدل في مواجهة الظلم، ونصرة دعاة الحق في مواجهة المتسلطين من دعاة الباطل.
يقول محمد إقبال في كتابه «أسرار خودي» في افتتاح الكتاب: «رأيت البارحة شيخًا يدور حول المدينة، وقد حمل مشعلًا، كأنه يبحث عن شيء، قلت له: يا سيدي! تبحث عن ماذا؟ قال: مللت معاشرة السباع والدواب، وضقت بها ذرعًا، وخرجت أبحث عن «إنسان» في هذا العالم، لقد ضاق صدري من هؤلاء الكسالى والأقزام الذين أجدهم حولي، فخرجت أبحث عن عملاق من الرجال، وبطل من الأبطال، يملأ عيني برجولته وشخصيته، وبروح نفسي.
قلت له: لقد غرتك نفسك يا هذا! فخرجت تقتنص العنقاء. بالله عليك لا تتعب نفسك، وارجع أدراجك؛ فقد أجهدت نفسي، وأنضيت ركابي، ونقبت في البلاد، فلم أرَ لهذا الكائن عينًا ولا أثرًا. قال الشيخ: إليك عني، أيها الرجل! فأحب شيء إلى نفسي، أعزه وجودًا وأبعده منالًا».
أين هذا الإنسان الصالح الذي لا يرى تقدمه في استعباد العباد، وقهر النفوس؟ أين هذا الإنسان الذي يسعى بكل إخلاص من أجل الإنسان كل الإنسان، في الأرض كل الأرض، ويردد ما قاله ربعي بن عامر: «الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام» ؟ (3) .
ويعلم أن «الناس عبيد لله وحده، ولا يكونون عبيدًا لله وحده إلا أن ترتفع راية: «لا إله إلا الله» ، لا إله إلا الله كما يدركها العربي العارف بمدلولات لغته،: لا حاكمية إلا لله، ولا شريعة إلا من الله، ولا سلطان لأحد على أحد؛ لأن السلطان كله لله، ولأن «الجنسية» التي يريدها الإسلام للناس هي جنسية العقيدة، التي يتساوى فيها العربي والروماني والفارسي وسائر الأجناس والألوان تحت راية الله (4) .