وإذا كانت"السِنة"قد أخذتنا فيما مضى ، في معمعة الصراع الأيدولوجي ، أما وقد انتهى هذا الصراع ، وتجاوز العالم لغة الأيدولوجيا إلى لغة العولمة ؛ بما تحمله من مضامين معرفية وحضارية . فإنّ الحاجة تبدو ماسّة اليوم لمراجعة طبيعة خطابنا وميادين حركتنا ، وهذا لا يعني بحال من الأحوال أننا ننكر المجهودات الحالية والسابقة التي يقوم بها مفكرون وعلماء - جاءوا بعد جيل الرواد - يمتلكون لغة المعرفة والبحث العلمي ، بيد أنّ هذه المجهودات بقيت بعيدة عن التأثير والقيادة ومشروعات كثير من الحركات الإسلامية ، ولم تحظ باهتمام أغلب الشباب الذي تعوّد على لغة السياسة والشعارات فاستمرأها واستسهلها. وكيف أنسى - على سبيل المثال - حديث د. طه عبد الرحمن (لي) عن كتابه"العمل الديني وتجديد العقل"الذي أمّل عليه فيلسوفنا الكثير في توجيه أبناء الحركات الإسلاميّة ، فلم يجد له ذاك الأثر ولا أقلّه ! ، وهل يمكن أن نقارن الجدالات المعرفيّة التي كانت تدور بين روّاد النهضة وبين ( الجدالات الفكرية !) التي تدور اليوم بين أبناء الحركات الإسلامية !! ، بل دلّوني على مجلّة تصدرها حركة أو جماعة إسلامية اليوم تعادل جزءًا من الزخم الفكري الذي كانت تمثّله ( العروة الوثقى) بعيدا عن مسالة الجرح والتعديل أو (مجلة المنار) ! .
إننا اليوم أمام سؤال أساسي: هل مشكلتنا الكبرى سياسية أم ثقافية حضاريّة ؟ ، بمعنى: هل وصول أية حركة إسلاميّة إلى الحكم سينهي المشكلة ويأتي بالفرج للأمّة المنكوبة ؟ ، وهنا ضع جانبًا الممارسات السياسية السلبية التي ظهرت من قبل الكثير من الإسلاميين في الخبرة المعاصرة ، ولاحظ أنّ الإجابة بِ:"لا"عن السؤال السابق ، لا تنفي البعد الآخر: العمل السياسي ، وإنّما تعني ضبطه وتحديده في الإطار المناسب ، بما يقودنا إلى البند القادم من النقاش ...
المسألة الثقافية
لعلّ ملاحظة الأستاذ محمّد يتيم في كتابه"العمل الإسلامي والاختيار الحضاري" ( منشورات حركة الإصلاح والتجديد) تعدّ مدخلا مناسبا للولوج إلى هذه القضيّة ، وهذه الملاحظة هي: أنّه لا يوجد حاكم عربي يعلن على الملأ وأمام الشعب أنّه لا يؤمن بالإسلام وأنّه لا يرى الشريعة الإسلاميّة صالحة لهذا الزمن ، على الرغم أنّه لا يعلن - في ذات الوقت - التزامه بالإسلام وبهويته الحضارية في ممارسته السياسية ، فالشعب لا يرى الحاكم الذي يبعد الشريعة الإسلاميّة عن الممارسة التشريعيّة والتنفيذيّة خارجا عن الأصول العقديّة والفقهيّة ، والحس الإسلامي العام المبني على الثقافة العامّة لدى الأمّة المتأسسة على انحراف في التصوّرات والمفاهيم: هو الذي سمح لهذا الحاكم أو ذاك بإبعاد الشريعة الإسلاميّة دون معارضة فعّالة وجذريّة من قبل الشعب ، بل هو الذي سمح بأكثر من ذلك ؛ وإذا كان مالك بن نبي قد أسّس مفهوم"القابلية للاستعمار"، فإنّ القابليّة للاستعباد والاستبداد ( أو الاستحمار على حد تعبير علي شريعتي ) هي التي سمحت للحاكم أن يستذل الأمّة ويذيقها ألوان الهوان .
فالمشكلة الثقافية هي التي سببت التخلّف ، و"انتكاس المفاهيم" ( كما يقول الأستاذ إبراهيم العسعس ) هو الأمر الذي ساهم بشكل كبير في خروج الأمّة من حالة النهضة إلى الانكسار الحضاري ، بمعنى: أنّ مسألة التخلّف لا تنتهي بمجرّد وصول حركة إسلاميّة إلى الحكم ، ولا ترتبط في جانب كبير بذلك ، بل قد تكون هذه الحركة أسوأ من حكم علماني ، نظرا لطبيعة الأشخاص الذين يقودونها ، فالضمان هو وعي الأمّة وثقافتها ، وقدرتها على الوقوف في وجه الحاكم إذا انحرف عن الجادة ، فلم يكن الحكم الأموي والعباسي نموذجا للحكم الإسلامي الراشد ، على الرغم من أنّ هذه الخلافات لا تخرج عن دائرة الحكم الإسلامي ، ولكنّها غير راشدة وغير مطلوبة في عملية الانبعاث الإسلامي المأمول .
إذن الثورة الفكريّة والنهضة الثقافيّة هي التي تؤسّس حقيقة للتغيير الموضوعي، والخروج من حالة التخلّف إلى حالة النهضة الحضاريّة ، وهي محور الجهد الأساسي اللاّزم للعمل الدعوي الإسلامي ، والإنسان والمجتمع هما مرتكز الخطاب القرآني ( كما يقول الأستاذ العسعس ) ، وشتّان شتّان ما بين فتوحات تمّت في فترة الخلفاء الراشدين وشهدت أسمى مراحل العدل ، وفتوحات كان هدف الولاة منها الأموال والغنائم ! .
وعود على بدء (باستطراد سريع ) : فهذا: لايعني بحال من الأحوال ترك العمل السياسي وعدم الدخول في مجال الجهاد السياسي ، وإنّما يعني: الانطلاق في العمل السياسي من المنطلقات والمفاهيم الصحيحة التي تضبط هذا العمل وتوجهه التوجيه الصحيح ، وفي هذا المجال لابد من القيام بمجهودات معرفيّة وفكرية تجدّد أصول الفهم والممارسة السياسية في الإسلام ، تضع نقاط التمايز بين مفهوم السياسة الشرعيّة والمفاهيم الأخرى ، وتفصل بين مساحة الإلزام في الفقه الإسلامي ( المرتبطة بالوحي ) و بين مساحة الاجتهاد البشري ، خاصّة فيما يتعلّق بالتراث الفقهي الإسلامي .
كما لابد من إبعاد العمل الإسلامي عن التلبس بالمزاودات السياسية ، ووسائل الأحزاب الأخرى في التحايل والخداع للوصول إلى الحكم والسلطة ، فليس هدف الحركات الإسلاميّة الوصول إلى الحكم إنّما التمكين العقيدي للإسلام ، وضبط الممارسة السياسية بالشريعة الإسلاميّة . وعدم توريط الدعوة الإسلاميّة بصراعات يومية تبتعد بها عن أهدافها السامقة ، وتغرقها في بحار من الدماء ، فليست قضية الإسلام اليوم تتمثّل في قتل شرطي أو عسكري هنا أو هناك ! ، فما هذا العسكري ( كما يقول الأستاذ جمال سلطان ) إلاّ جزء من نظام سياسي واجتماعي شامل في إطار عملية مترابطة تتداخل فيها العوامل الثقافية والسياسية والاقتصادية ، ولا يعقل تحميل عسكري ( طيبًا كان أم سيئًا ) دخل الجيش - في الأغلب - طلبا للرزق مسؤولية تخلّف الأمّة وتمزقها! .ونعتبر أنّ معركة الإسلام معه ، ولكن نعود ونقول: إنّ المعركة هي معركة المفاهيم التي تشكل التصوّرات وتسيطر على السلوك .
من الأيدولوجيا إلى المعرفة
إذا سألت بعض أبناء الحركات الإسلاميّة عن رؤيته لطبيعة الأزمة الحضاريّة التي تعيش فيها الأمّة أجابك أنّ السبب هو البعد عن الإسلام ، ثمّ إذا سألته عن طريق الخروج من التخلّف أجابك: أنّ الإسلام هو الحل ، ولابد من استدعاء مفهوم الحاكمية في حياتنا المعاصرة للخلاص من البؤس الحالي ، لكنّك إذا سألته كيف ؟ ولماذا ؟ ، بدأت لغة الإنشاء والخطابة تستغرق إجابته ..