إن الكثيرين ممن يتحدثون عن النهضة، لا يمتلكون إطارًا يحددون به معنىً للنهضة. ونود أن نشير إلى بعض القضايا المتعلقة بهذا الموضوع. ولن نلجأ إلى المصطلحات الغامضة المتعلقة بتعريفها اللغوي، ولكن سنتناول موضوع النهضة من حيث أنها كلمة دخلت على اللغة العربية للتماهي مع كلمة النهضة التي وردت في التراث الأوربي، وبالتالي لا يمكن إدراك معناها في غياب المعنى الذي اجتلبت منه أساسًا، وهو معنى كلمة النهضة في الثقافة الأوروبية. يقول الدكتور نور الدين حاطوم في كتابه"تاريخ عصر النهضة الأوروبية":" (النهضة) تفتح عجيب للحياة بأشكالها المختلفة، بلغت مظاهره الكبرى بين 1490 و1560.. وهي بالمعنى العام الواسع تدفق من الحيوية أثار البشرية الأوروبية فتبدلت على أثره حضارة أوروبا بكاملها. وهي بالمعنى الضيق نزوة حياتية في أعمال الفكر. إنها ضمة تطلع وتوق وهواية وسمو أكثر منها مذهب أو نظام. إنها دافع داخلي جدد حياة العقل والحواس والمعرفة والفن."
ويقول في مقدمة الكتاب:"إن عصر النهضة الأوروبية أو القرن السادس عشر الذي ندرس تاريخه في هذا الكتاب هو العصر الذي يبدأ برحلة كريستوفر كولومبس الأولى سنة 1492، وحروب إيطاليا 1494، وينتهي بين وفاة اليزابيث ملكة إنجلترا 1603، وموت هنري الرابع ملك فرنسا 1610.. لقد حدثت في هذا العصر حوادث عظيمة، وتبدلات عميقة في أنظمة الدول الداخلية، وفي سيماء أوروبا العامة، وفي علاقات هذه القارة مع القارات الأخرى. ولذا تختلف حوادث القرن السادس عشر اختلافًا كليًا عما نعرفه في القرن الوسيط، الذي انتهى في السنوات الأخيرة من القرن الخامس عشر". ويقول:
"وإذا انتهى العصر الوسيط كما تنتهي الأشياء في التاريخ، إلا أن هذه الأشياء لا تزول تمامًا، بل تبقى مع الزمن، فإننا نجد في حياة رجال القرن السادس عشر وأفكارهم وأعمالهم كثيرًا من معالم العصر الوسيط الراحل. وليس في سياق التاريخ واستمراره انقطاع للحوادث البشرية، بل إن هذه الحوادث تجري في تطور بطئ مستمر، وقد يقع أن يحدث ما يؤخر سيرها، غير أنها تعاود الكرة وتستأنف تقدمها ولو ببطء وخجل."ويقول أيضًا:"تتجلى مظاهر التجديد في أوروبا عصر النهضة، بحوادث كبرى، وتطورات عظيمة، أشبه ما تكون بثورات،؛ فكرية دينية، أخلاقية سياسية تجديدية، في الاقتصاد الجديد."1. و يقول نور الدين حاطوم أيضًا:"وبدا لنا القرن السادس عشر وكأنه التفاتة نحو الماضي أكثر منها نحو المستقبل، أو رجعة نحو ماضيين يجملهما معًا، وهما القديم الوثني والقديم العبري- المسيحي، أو نحو الإلياذة والكتاب المقدس. وما النهضة والإصلاح الديني في البدء إلا حركتان متوازيتان وباتجاه واحد لتتعرف إحداهما بحقيقة الحياة الإنسانية في العصر القديم، ولتعيد الأخرى الدين المسيحي إلى نقاوته القديمة الأولى. فحين نحاول أن نجد ثورة، لا نجد في الحقيقة إلا رجعية.."
هذه الكلمات الهامة التي يشير إليها نور الدين حاطوم تشير إلى أن مفهوم النهضة في الفكر الأوروبي لم يكن قطيعة مع الماضي؛ بل هي تواصل معه واستجلاب الخيرية التي كانت فيه، ثم انطلاقٌ إلى المستقبل لمحاولة البحث عن فرصه، وما يمكن اقتناصه منه.
هذه قضية في غاية الأهمية، إذ يدّعي البعض في واقعنا الإسلامي بأننا يجب أن نترك الماضي بخيره وشره، وأن نتبنى ما عند الآخر بخيره وشره، وننطلق إلى المستقبل، وهذا أمر لم يحدث حتى في الحضارة التي يقوم
البعض بتقليدها والإعجاب بها.
كما يقول نور الدين حاطوم:".. ولكن يجب أن لا نأخذ بالظواهر فننكر على القرن السادس عشر كل تجديد. إن روح أي عصر من العصور لا يتمثل بعقلية الكتل والدهماء والجماهير، بل بعقلية الصفوة المختارة من أبنائه، فئة من الأبطال - كما يقول كارليل- حملة المشاعل الذين ينيرون للناس طريق المستقبل خلال ديجور الحاضر.."
وانظر إلى هذه العبارات"حملة المشاعل الذين ينيرون للناس طريق المستقبل خلال ديجور الحاضر"فرواد النهضة الذين تتحدث عنهم الحضارة الأوروبية في تلك الفترة، هم القلة التي حملت المشاعل وبدأت تكشف للناس عن جمال الماضي، وعن إمكانية الفعل في المستقبل، ولم تكن الفئة التي دعت إلى القطيعة مع الماضي، واليأس من المستقبل.
ونكمل مع نور الدين حاطوم:".. وإذا درسنا رجال الفكر في هذا العصر، رأينا عندهم مفهومًا جديدًا للعلم والطبيعة والدين والأخلاق الفردية و الاجتماعية. ومما يجدر ذكره أن هؤلاء الأبطال يشعرون بأنهم في عصر حديث.."
إن الناظر في أعمال هؤلاء المجددين في هذا العصر يرى أنهم متقدمين على عصورهم، كما يقول نور الدين حاطوم".. ولكن المجددين كثيرًا ما يتقدمون عصرهم ويكونون عرضة لاضطهاد معاصريهم ممن لا يفهمون آراءهم: مثال ذلك كوبرنيك ( 1473 - 1543م) ، فقد برهن على حركة الكواكب حول نفسها وحول الشمس، فحكم البابا بأن نظريته مخالفة للكتاب المقدس. وبالرغم من أن كوبرنيك نفسه كان من أبناء القرن السادس عشر، فقد كانت الفكرة الثورية الجديدة التي أتى بها"
متقدمة على القرن الذي عاش فيه.."، وقل ذلك على ليوناردو دافينشي وغيره من المفكرين الذي اضطهدوا بسبب آرائهم، التي سبقت عصرهم وتقدمته."
نعود إلى معنى كلمة النهضة التي بدأنا بها ونقول أنها: حركة فكرية عامة، حية منتشرة، تتقدم باستمرار في فضاء القرن، وتطرح الجديد دون قطيعة مع الماضي.
فهذه الكلمة تحتوي على جملة مفردات:
* حركة
* فكرية عامة
* حية
* منتشرة
* تتقدم باستمرار في فضاء القرن
* وتطرح الجديد دون قطيعة مع الماضي.
وتشمل مجالات العلم والدين والسياسية والاقتصاد والاجتماع وما إلى ذلك. فهذه الحياة الجديدة وهذا التصور الجديد لإمكانية الفعل التاريخي، ولإمكانية النظر للكون بمنظار جديد، هي السمة الأساسية لما يسمى بعصر النهضة، وهي في الوقت نفسه ليست حركة في أرض منسابة سهلة، بل إن الحركة التي تقودها هذه النخب- التي أطلق عليها كارليل"الأبطال"- تتعرض للاضطهاد والتنكيل والمقاومة، ولكن ذلك جزء من ضريبة هذا الوضع النهضوي الذي يتحرك فيه المجتمع.
إذا قمنا بالمقاربة لكلمة النهضة في واقعنا المعاصر؛ سنجد التماثل والتماهي في حركة التيارات
الإسلامية الجديدة التي تدعوا إلى التطوير في التعليم والاجتماع وفي السياسة وفي الاقتصاد، وتدعوا للارتباط بالنافع من تراث الأمة والخير من إنتاجها. هذا التمازج الحي بين حركة الأصالة وحركة التجديد يرسم معالم عصر النهضة الذي يتحرك فيه الآن هذا التيار الضخم من العاملين في حقل النهضة.
التنمية:
وهناك مصطلح آخرمقارب للنهضة. ففي كثير من الأحيان يتكلم الناس عن التنمية ولا يتحدثون عن النهضة، وهذا المفهوم -مفهوم التنمية أو الـ Development- الذي ينتشر والذي يستخدم، يشكل جزئية من جزئيات النهضة، وليس ذات النهضة وذلك إذا أردنا النظر للصورة بشكل أعم. فمن المفهوم الأوروبي أيضًا جاءت كلمة Development"التنمية"مع حركة التعليم واستيراد المجتمعات الإسلامية لكثير من المفاهيم الواردة من التراث الأوروبي.