يقول عبد الحق الشكيري عن كلمة التنمية:"في المفهوم الغربي يقصد بها: تنشيط الاقتصاد الوطني، وتحويله من حالة الركود والثبات إلى حالة الحركة والديناميكية، عن طريق زيادة مقدرة الاقتصاد الوطني لتحقيق زيادة سنوية ملموسة في إجمالي الناتج الوطني، مع تغيير في هياكل الإنتاج ووسائله، ومستوى العمالة، وتزايد الاعتماد على القطاع الصناعي والحرفي . ولهذا اعتبرت الزيادة السنوية في إجمال الناتج الوطني، ومتوسط دخل الفرد من المؤشرات الأساسية للتنمية"*1.
من خلال رؤيتنا لمفهوم التنمية في الفكر الأوروبي، ومن خلال النظر إلى هذا المفهوم عند عدد
كبير من مستخدميه، فإنه مفهوم ضيق يتعلق بالجانب الاقتصادي ومفرداته. على أن عبد الحق الشكيري يحاول أن يطرح مفهومًا أعم وهو أقرب إلى مفهوم النهضة والحضارة فيقول: (.. إن جوهر عملية التنمية -يقصد في التصور الإسلامي- هو تغيير حضارة، يتناول أبنية المجتمع كافة، ويشمل جوانبه المادية والمعنوية. إن أي نظرية للتنمية لابد أن تنبثق من واقع وظروف هذه المجتمعات..) .2
مما سبق يتبين لنا أن مفهوم النهضة هو مفهوم الحراك الاجتماعي لعصر ما نحو الفاعلية الحضارية، وأن مفهوم التنمية في الفكر الأوروبي هو مفهوم يقتصر على الجانب الاقتصادي ومؤشراته، ونستنتج أن السعي نحو الحضارة يشملهما أي يشمل عملية الحراك النهضوي، ويشمل عملية التنمية الاقتصادية من أجل إحداث فعل حضاري.
الحضارة:
ما ذكرناه سابقًا يقودنا إلى موضوع الحضارة التي نسعى إليها، والحضارة كلمة عامة يقصد بها حالة مزدوجة من العطاء المادي في البناء العمراني، والتنمية والاستقرار والإسهام في التراث الإنساني، وزيادة نمائه، ويضيف إليها البعض في بعض الدراسات بأن الأمر فيه متسع للقول أن هذا هو معنى المدنية، وأنه يلزم لوضع مفهوم"حضارة"أن يكون داخل هذا البناء مفهوم أخلاقي ديني، ولا نرى في ذلك تلازمًا صرفًا، إلا إذا اعتبرنا أن أي مفهوم فلسفي داخلٌ في هذا المعنى. فإذا قلنا أن الحضارة الصينية قامت على الكونفوشيوسية؛ فنقصد في هذا السياق معنيين معنى الاستقرار والبناء والتنمية والإسهام الحضاري، ومعنى داخلي وهو أن تكون هناك قيم سائدة هي الكونفوشيوسية، وفي هذا المعنى
يمكن إدراك مفهوم الحضارة الواسع.
إذًا المجتمعات تسعى في طريقها للحضارة لجانبين:
* جانب استقرار وتنمية،
* وجانب آخر: أن يكون لها منظومة قيمية، وأن تسهم في الحضارة البشرية.
وحركة النهضة هي حركة لإحداث تحولات تقود إلى الوضع الحضاري المطلوب. ومن هنا تتضح بعض المعاني الغامضة في أقصى ما يمكن أن نشرحه في هذين الجانبين الهامين.
سؤال هام:
إذا عدنا إلى الحديث عن قضية النهضة فإنه يُطرح سؤال هام يقول: في أي سياق تأتي قضية النهضة؟؟
وللإجابة على هذا السؤال نعرض النموذج التالي:
1097م
1924م
انطلاق المشروع الإسلامي
وقيام الدولة
الحملات الصليبية
إسقاط الخلافة
622م
إذا نظرنا إلى القرن السابع الميلادي 622م ونظرنا إلى القرن الحادي عشر الميلادي 1097م ثم نظرنا إلى القرن العشرين 1924م لوجدنا ثلاثة محطات كبيرة وهامة في تاريخ العالم الإسلامي.
فالمحطة الأولى الهامة في تاريخ العالم الإسلامي 622م شهدت انطلاقة المشروع الإسلامي وتحوله من شكل التنظيم إلى شكل الدولة المعاصرة - إن جاز تعبير الدولة المعاصرة - حيث نقصد بذلك
وجود مجتمع لديه قيادة ولديه دستور ولديه جهاز الشورى ولديه جهازه الدفاعي أو جيشه الذي يتحرك بإمرته. هذا الشكل الذي كانت بذوره موجودة يمكن أن نطلق عليه بشكل أو بآخر بذور الدولة الحديثة. إذا نظرنا إلى هذه المحطة الهامة في تاريخ البشرية حيث بزغ ما يمكن أن نطلق عليه النظام العالمي الجديد. وقدم المسلمون فيه نموذجًا جديدًا لمفهوم الإنسانية، ومفهوم الحرب، ومفهوم السلم، ومفهوم العدالة، ومفهوم تعايش الأديان، ومفهوم الدستور، وغير ذلك. ثم إذا انتقلنا إلى القرن الحادي عشر حيث بدأ الهجوم الأوروبي الضخم في شكل الحملات الصليبية على العالم الإسلامي 1097م، الأمر الذي استنزف موارد العالم الإسلامي بشكل متصل لمدة ثلاثة قرون. ثم تواصل هذا الهجوم على الأطراف - بعد أن كان يستهدف القلب - وتم إنجاز المشروع الغربي بإسقاط الخلافة الإسلامية سنة
1924م وهي المحطة الثالثة الهامة التي يجب تذكرها والتي أدت إلى هزة كبيرة في العالم الإسلامي نتيجة لثلاثة أمور .
الأول: انكشاف حالة التخلف في العالم الإسلامي .
الثاني: سقوط العالم الإسلامي تحت أيدي حركة الهيمنة والاستكبار أو ما أطلق عليه الاستعمار.
الثالث: تمزيق العالم الإسلامي إلى وحدات صغيرة لا يجمعها جامع.
وبالتالي تولدت ثلاثة عناوين كبيرة تحرك تحتها العالم الإسلامي بعدها .
* العنوان الأول عنوان النهضة والتقدم في مقابل عنوان التخلف .
* وعنوان التحرير في مقابل معادلة وعنوان الاستعمار والاحتلال.
* وعنوان الوحدة في مقابل عنوان التمزيق.
وقد شمل ذلك جميع ألوان الطيف السياسي في المجتمعات الإسلامية، حيث كانت العناوين متشابهة فنرى مثلًا عناوين"الوحدة الحرية التقدم"، هي نفس العناوين التي نتحدث عنها في"الوحدة والنهضة والتحرير"، وقد تحدث عن هذه العناوين القوميون، وتحدث عنها الإسلاميون على وجه سواء، ولكن المنطلقات كانت مختلفة؛ فكان منطلق الإسلاميون التواصل مع الماضي واستجلاب الصالح منه، ثم تعزيز الهوية من خلاله، والانطلاق لمواجهة المستقبل بحركة التجديد في جميع المجالات. بينما قررت قطاعات ليست باليسيرة في التيار القومي القطيعة مع الماضي بشكل أو بآخر واعتباره تراثًا وليس عقيدة، واستبعاده من معادلة السياسية، وإبقائه في زاوية ضيقة وهي مجال الاجتماع، ولكن وعلى كل حال ظلت العناوين الثلاثة الرئيسية وهي"الوحدة والنهضة والتحرير"هي محاور الاهتمام.
إذًا موضوع النهضة يأتي في سياق تاريخي طويل ممتد بدأ من قيام الدولة الإسلامي ووضعها لنموذج الدولة ونموذج جديد للحضارة البشرية، ومرورًا ببداية الهجوم العالم الغربي الكبير منذ القرن الحادي عشر على العالم الإسلامي، وانتهاء بنجاح المشروع الغربي في تفتيت العالم الإسلامي، والسيطرة على مقدراته، وفرض التخلف عليه وإدامته، ثم حركة الإحياء الإسلامي، والنهضة الإسلامية التي بدأت مع هذا الزلزال الكبير الذي بدأ سنة 1900م أو الذي تجلى سنة 1924م - في عبارة أصح - حين أعلن عن سقوط الخلافة الإسلامية.
المحطات الهامة في التاريخ
المحطة ... السمات ... النتائج
سنة 622م
انطلاقة المشروع الإسلامي
* تحول المشروع إلى نظام الدولة.
* تكون مجتمع
* قيادة
* دستور
* جهاز شورى
* جهاز دفاعي
... دولة حديثة
مفاهيم جديدة عن:
* الإنسانية
* الحرب والسلم
* العدالة
* تعايش الأديان
* الدستور
سنة 1097 م
القرن الحادي عشر بداية الهجوم الأوروبي على العالم الإسلامي في الحملات الصليبية.
* استهداف القلب
* ثم هجوم عل الأطراف
... استنزاف موارد العالم الإسلامي
لثلاثة قرون.
سنة 1924م
إنجاز المشروع بإسقاط الخلافة الإسلامية.
* انكشاف حالة التخلف
* الاستعمار والاحتلال.
* التمزق
... هزة كبيرة للعالم الإسلامي.
إلى هنا نكون قد أجبنا على التساؤل حول كلمة مشروع، وكلمة النهضة والتنمية، والحضارة ومعانيها، ثم تطرقنا إلى قضية السياق الذي تأتي فيه عملية النهضة، وفكرة النهضة للعالم الإسلامي.