فهرس الكتاب
* ومن أبرز ضلال المبتدعة: (( ردهم للأحاديث التي جرت غير موافقة لأغراضهم ومذاهبهم، ويدعون أنها مخالفة للمعقول، وغير جارية على مقتضى الدليل فيجب ردها ) ) (40) وهذا ما أشار إليه ابن تيمية رحمه الله إذ يقول: (( وإن عامة ضلال أهل البدع كان بسبب: أنهم يحملون كلام الله ورسوله على ما يدعون أنه دال عليه، ولا يكون الأمر كذلك ) ). (41)
* ومن طرائق المبتدعة أنهم يزعمون، أن ما جاء به الرسول هو الحق، وأنهم يلتزمون شريعته، ولكنهم ربما ضلوا الطريق… )) وكل فريق من المبتدعة إنما يدعي أن الذي يعتقده هو ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأنهم ملتزمون في الظاهر بشعائر الإسلام، … إلا أنهم طلبوا الدين، لا بطريقة من الكتاب والسنة، بل رجعوا إلى عقولهم وخواطرهم وآرائهم، فطلبوا الدين من قبلها، فإذا سمعوا شيئًا من الكتاب والسنة عرض على معيار عقولهم، فإن استقام قبلوه، وإن لم يستقم ردوه، فإن اضطروا إلى قبوله حرَّفوه بالتأويلات البعيدة، والمعاني المستكرهة، فحادوا عن الحق، وزاغوا عنه، ونبذوا الدين وراء ظهورهم )) . (42)
* وهؤلاء المبتدعة لم يبلغوا في علوم الشريعة ما يمكنهم من الاجتهاد فيها بإطلاق إما لعدم الرسوخ في معرفة كلام العرب والعلم بمقاصد الشريعة، وإما لعدم الرسوخ في العلم بقواعد الأصول التي من جهتها تستنبط الأحكام الشرعية، وإما لعدم الأمرين جميعًا. (43)
ومن الأسباب التي أدت إلى زيادة الانحراف:
(( أن أي انحراف عن السنة ولو كان قليلًا، وبالمعنى الشمولي للسنة، لابد أن يزداد هذا الانحراف، ثم تأتي الروافد من هنا وهناك باجتهادات خاطئة، أو تصورات باطلة، فتتسع رقعة الباطل، ومن العسير عندئذ عودة أصحابه إلى الجادة المستقيمة إلا أن يشاء الله ) ).
وهذا ما حصل للمتصوفة خلال المراحل التي مروا بها، مما سنوضحه خلال الحديث عن الصوفية. (44)
* وكلما بعد العهد ظهرت البدع وكثر التحريف الذي سماه أهله تأويلًا ليقبل، وقل من يهتدي إلى الفرق بين التحريف والتأويل، إذ قد سمي صرف الكلام عن ظاهره إلى معنى آخر يحتمله اللفظ في الجملة تأويلًا، وإن لم يكن ثمت قرينة توجب ذلك. ومن هنا حصل الفساد، فإذا سموه تأويلًا قبل وراج على من لا يهتدي إلى الفرق بينهما )) . (45)
* (( والمبتدعة عادة يقابلون البدعة بالبدعة. فعندما غلا بعضهم في علي t، كفّره آخرون، وعندما غلا بعضهم في الوعيد - الخوارج - غلا آخرون في الوعد حتى نفوا بعض الوعيد - يعني المرجئة - وعندما غلا المعتزلة في التنزيه حتى نفوا الصفات، غلا آخرون في الإثبات حتى وقعوا في التشبيه ) ) (46) .
* وإن جميع هذه الطوائف من المبتدعة تنزل القرآن على مذاهبها وبدعها وآرائها.
فالقرآن عند الجهمية جهمي، وعند المعتزلة معتزلي، وعند القدرية قدري، وعند الرافضة رافضي، وكذلك هو عند جميع أهل الباطل، وما كانوا أولياءه { إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ } [الأنفال:34] . (47)
توبة بعض الخارجين على منهاج السلف من المتكلمين والمتصوفة:
ومن نعمة الله أن عامة الخارجين على منهاج السلف من المتكلمة والمتصوفة، يعترف عند الموت، أو قبل الموت برجوعه عن ذلك، لما لمسوه من الحيرة والاضطراب، والعدول عن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كلام الرجال.
(( ومن هؤلاء المتكلمين الذين رجعوا عن طريقتهم: أبو الحسن الأشعري، فقد تبحر في علم الكلام والاعتزال… ثم سأل الله أن يهديه إلى الطريق المستقيم، فتاب من الاعتزال، حيث خرج إلى الناس في الجامع بالبصرة، فصعد المنبر بعد صلاة الجمعة وانخلع(كما قال) من جميع ما كان يعتقده كما انخلع من ثوبه )). (48)
ومثل هذا ما رُوي عن أبي حامد الغزالي، عندما ترك كتب الفلسفة، والكلام في التصوف، ورجع إلى كتب السنة والحديث. (49)
وقال أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي في كتابه الذي صنفه في أقسام اللذات: (( لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلًا، ولا تروي غليلًا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي…
نهاية إقدام العقول عقال
... وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا
... وحاصل دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا
... سوى أنه جمعنا فيه قيل وقالوا (50)
ويقول إمام الحرمين أبو المعالي الجويني:
(( لقد خضت البحر الخضم، وتركت أهل الإسلام وعلومهم، وخضت الذي نهوني عنه، والآن إن لم يتداركني ربي برحمته، فالويل لفلان، ها أنا أموت على عقيدة أمي ) ). (51)
الباب الأول
ظاهرة الإرجاء وأخطارها
على المجتمعات المعاصرة
وفيه عدة فصول:
الفصل الأول: الجذور التاريخية لبدعة الإرجاء.
الفصل الثاني: تطور هذه الظاهرة.
الفصل الثالث: الإيمان قول وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
الفصل الرابع: العلاقة بين إيمان القلب وعمل الجوارح.
الفصل الخامس: آثار بدعة الإرجاء على المجتمعات المعاصرة.
مقدمة:
يعتبر الفكر الإرجائي من أشد الانحرافات التي وقعت في تاريخ المسلمين، حيث ترك آثارًا خطيرة في حياة الأمة، ما تزال تنخر في جسمها حتى الآن.
وعندما نبحث الإرجاء على أنه فرقة من الفرق التي طواها التاريخ، فإن من أهم ما يفوتنا هو معرفة حقيقة واقعنا المعاصر الذي بات يسيطر عليه الفكر الإرجائي بكل سلبياته.
(( إنه ظاهرة فكرية نشأت ثم تطورت إلى واقع ضخم، يواجه كل دعوة تجديدية…
إن هذه الأمة وهي تتراخى عن العمل بالتدريج، وتنحدر من قمة الامتثال رويدًا رويدًا، كانت تجد في الإرجاء تفسيرًا مريحًا يبرر لها تراخيها وتفريطها، فكل ما انحسر عنه العمل واقعيًا ستره ثوب الإرجاء الواسع نظريًا…
لقد صارت هذه الأمة تعتقد أن التصديق القلبي المجرد من قول اللسان وعمل الأركان هو حقيقة الإيمان الذي أنزل الله به الكتب وبعث به الرسل، وجعله مناط النجاة من عذابه في الآخرة… وأصبح معنى كون الصلاة والزكاة والصيام والحج أركانًا للإسلام هو اعتقاد وجوبها والإقرار به وإن لم يعمل من ذلك شيئًا )) . (52)
(( لقد كان فكر الإرجاء على امتداد الزمن أشد خطرًا على العقيدة الإسلامية، والحياة الإسلامية، من كل معاظلات الفلسفة التي دخلت في دراسة العقيدة.
فالقول بأن الإيمان هو التصديق، أو هو التصديق والإقرار وإخراج العمل من مسمى الإيمان، كان من أخطر المزالق التي أدخلتها الفرق على تلك العقيدة الصافية، ومفهومها الصحيح عند المسلمين )) . (53)
(( إن إخراج العمل من مسمى الإيمان في هذا الدين الذي نزل لينشئ واقعًا معينًا تحكمه شريعة الله ومنهجه للحياة، أمر مذهل في مجرد تصوره، فضلًا عن أن يصدر عن علماء معتبرين في تاريخ هذه الأمة! ) ). (54)
ولم يقتصر فكر الإرجاء على غبش التصور لدى عامة المسلمين بل تعداهم إلى واقع الدعوة الإسلامية المعاصرة.
(( إذ أن أصحاب الدعوة ينقسمون غالبًا فريقين، وكل فريق تتوزعه فرق وآراء واجتهادات..
أحدهما: فطن إلى أصل القضية ومكمن الداء فأراد أن يصحح الأصول ويجلي بدهيات الدين، ويربط ذلك بالعمل وضرورته ولكنه سلك في سبيل ذلك حرفية عقيمة في الفهم، إثارة موغلة في الغلو ظانًا أن هذا هو منهج العزيمة والاستقامة فوقع في طامة التكفير - تكفير أعيان عوام المسلمين من المخالفين - وبذلك نفر هذا الفريق من بدعة الإرجاء والتبرير ليقع في بدعة شر منها… فتحولت دعوته إلى نظرية عقيمة تتآكل كل يوم وتفرز بدعًا جديدة.