فهرس الكتاب
والآخر: انطلق في دعوته بدون منهج واضح ولا تصور اعتقادي متكامل، فلم يتناول الأمر بالتأصيل العلمي، بل بالتهويش العاطفي، فكان أن واجهه أصحاب الفريق الأول بأصول وقواعد لا يملك مثلها، ولا يستطيع ردها، فهرب من التكفير إلى التبرير وأخذ يسند هذا الواقع المنحرف ويؤصله بنظريات بدعية، ووجد في مذهب المرجئة الذي أصبح هو الظاهرة الفكرية العامة بغيته.
فالفريق الأول: أعاد مذهب الحرورية جذعًا.
والفريق الثاني: أحيا مذهب المرجئة غضًا ونقله من الدوائر الأكاديمية التقليدية إلى منهج العمل والتغيير )) . (55)
وسوف نفصل القول في بدعة الإرجاء مع بيان آثارها في تخدير المسلمين عن العمل القويم، وتهوين أمر المعاصي على عامتهم.
ثم نتحدث عن التطرف والغلو في الدين موضحين أبعاد هذه البدعة وخطورتها، معتمدين في كل ذلك على النصوص الشرعية، ومنهج السلف في مناقشة البدع عمومًا.
كل ذلك بأسلوب مبسط، يجعل قراءة هذا الفكر سهلًا ميسرًا بإذن الله.
الفصل الأول
الجذور التاريخية لظاهرة الإرجاء (56)
يرجع فكر المرجئة إلى الفتن التي اجتاحت ديار المسلمين منذ مقتل عثمان بن عفان t، وما تلاه من حرب صفين بين علي ومعاوية رضي الله عنهما.
لقد فجرت هذه الفتن كثيرًا من المواقف والآراء وردود الأفعال بين الصحابة أنفسهم.
* فبعض كبار الصحابة وأجلائهم مثل سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، وأسامة بن زيد وغيرهم رأوا موقف الحياد، مع إجلالهم لكبار الصحابة كعلي وعثمان ومعاوية.
* وبعض سكان الأطراف والمرابطين على ثغور الجهاد فوجئوا بمقتل أمير المؤمنين عثمان t، ثم فوجئوا بما تلا ذلك من أحداث، وما استطاعوا أن يستبينوا رأيًا فيتبعوه أو يرجحوا طرفًا فيوالوه، فآثروا مسألة الفريقين المتقاتلين والركون إلى حياد ولا حيلة لهم في قبوله، وهؤلاء هم الشكاك من أهل الحيرة والتردد. كانوا يقولون: كلهم عندنا ثقة، ونحن لا نتبرأ منهما ولا نلعنهما، ولا نشهد عليهما، ونرجئ أمرهما إلى الله حتى يكون هو الذي يحكم بينهما.
فهؤلاء - إن صح إطلاق الإرجاء على موقفهم - فهو إرجاء حيرة لا إرجاء فكرة، وهذه الحيرة كانت خاصة بقضية الحكم على المختلفين بالخطأ أو الصواب، أما موالاتهم والإقرار بفضلهم وسابقتهم، فلم يكن موضع شك عندهم.
* وهنالك فئة ضاق أفق أصحابها عن تفهم الخلاف فثارت ساخطة على الطرفين، دون تبصر في الدوافع أو تريث في الحكم.
ومن هؤلاء فرقة أعلنت نقمتها وسخطها على كل الأطراف وقالوا: كيف يختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويتقاتلون وهم أصحاب رسول الله وأعلم الناس بالدين؟! والأصل أن يكونوا أكثر الأمة تمسكًا ووفاقًا ودعوةً وجهادًا!!
إذن لقد انحرفوا عما كانوا عليه زمن رسول الله، بلا شك ولا ريب، ومن ثم فلا حرمة لمن نكص على عقبيه، ولا اعتبار لسابقته في الإسلام مادامت هذه خاتمته!!!
هذه الفكرة تبناها الفكر الخارجي الذي بلغ به حنقه على الأطراف جميعها إلى تدبير مؤامرة لاغتيال زعماء الخلاف (علي ومعاوية وعمرو بن العاص) رضي الله عنهم.
وهذا هو أصل المذهب الذي يرى تخطئة وتفسيق، أو تكفير كلا الطائفتين، وصار هذا مذهب كثير من أهل الأهواء من المعتزلة والخوارج وبعض المتكلمين. (57)
* وكان من هذه الفئة فرقة أقل غلوًا وشططًا فقالوا: لقد حدث بين الصحابة ما حدث، وهم على الدرجة العليا من الفضل والعلم، ومعنى ذلك أن في الأمر ما لا نستطيع إدراكه، ولا نأمن مغبة الحكم عليه، ولا يمكن ترجيح أحد الطرفين، وأن نبرئ أنفسنا من الوقوف مع أحد منهم أو عليه، ولذلك فإننا نكل أمر الجميع إلى الله وهو الذي يتولى حسابهم ونحن لا نوالي أحدًا منهم ولا نعاديه، ولا نشهد له بحق ولا باطل.
ولم تتجرأ هذه الفرقة على تكفير الصحابة، كحال نظيرتها الأولى ورأوا أن الذي يتفق مع موقفهم، هو اعتقاد أن ما ارتكبوه - أي الصحابة - هو دون الشرك بالله تعالى، ومن ثم فهم داخلون تحت المشيئة.
وهذه الطائفة هي التي يصح أن توصف بأنها أصل الإرجاء، سواء ما نشأ منه في أحضان الخوارج، وهم الأعم الأغلب، أو ما كان آراء فردية ومواقف نفسية.
* ويمكن اعتبار وقعة صفين هي المنطلق التاريخي لهذه الفتنة، بل إن حادثة التحكيم هي الشرارة التي فجرت بركانها.
لقد أنتجت هذه الحادثة وذيولها فرقتين كبيرتين، أو منهجين كبيرين، ما يزال لهما وجود ملموس وانحراف بعيد حتى الآن.
هذان المنهجان هما: التشيع والخروج، وكلاهما ناشئ عن علة واحدة، هي الغلو ولكنه غلو متضاد.
وكان من آثار هذه الفتنة أن أصبحت المعسكرات المتحاربة ثلاثة: أهل العراق - أهل الشام - الخوارج، وأصبحت المناهج الاعتقادية ثلاثة: السنة، والخروج والتشيع.
وهذا التفرق وما صحبه من صراع أدى إلى نمو بذرة الإرجاء التي تكونت في الفتنة الأولى (مقتل عثمان t) لتصبح منهجًا رابعًا فيما بعد. (58)
* إلا أن فكر المرجئة تطور بعد ذلك ليصبح من قضايا الاعتقاد ولذلك عندما سئل ابن عينية عن الإرجاء، وفيم سميت المرجئة مرجئة قال:
(( الإرجاء على وجهين: قوم أرجوا أمر علي وعثمان، فقد مضى أولئك، أما المرجئة اليوم فهم قوم يقولون: الإيمان قول بلا عمل، فلا تجالسوهم ولا تؤاكلوهم، ولا تشاربوهم ولا تصلوا عليهم ) ). (59)
ويقول ابن جرير الطبري شارحًا لهذا القول: (( والصواب من القول في المعنى الذي من أجله سميت المرجئة مرجئة أن يقال: إن الإرجاء معناه: تأخير الشيء، فمؤخر أمر علي وعثمان رضي الله عنهما إلى ربهما، وتارك ولايتهما، والبراء منهما مرجئًا أمرهما فهو مرجئ، غير أن الأغلب من استعمال أهل المعرفة بمذاهب المختلفين في الديانات في دهرنا هذا: هو هذا الاسم فيمن كان من قوله الإيمان قول بلا عمل، وفيمن كان من مذهبه أن الشرائع ليست من الإيمان… ) ). (60)
ومن كلام الإمام ابن عينية وشرح الطبري له، ما يدل على أن المرجئة الأولى هي طائفة من الناس كانت ترجئ أمر عثمان وعلي إلى الله، فلا تتولاهما ولا تتبرأ منهما، فهي مضادة لمن يكفرهما أو يغلو فيهما - أو بأحدهما - وكذلك فهي مضادة لمن يرى تقديمهما وفضلهما ووجوب موالاتهما.
والإرجاء عندها ليس في مسألة الكفر والإيمان عامة، وإنما هو في الموقف من الصحابة المختلفين في الفتنة - رضي الله عنهم - خاصة، فهم مناقضون لما كان عليه عامة الخوارج من تكفيرهما، وما كان عليه عامة الشيعة من الغلو في عليّ والحط من عثمان، أو تكفيره، وكذلك فهم يخالفون ما عليه الجماعة في أمرهما. (61)
(( فطائفة الشكاك هؤلاء ممن لم يستطيعوا أن يحددوا لأنفسهم موقفًا معينًا من الخلاف، وخاصة من كان على الثغور البعيدة منهم، كانوا يشعرون بالألم الفاجع لما حل بالمسلمين، وبالأسى البالغ لتفرقهم بعد الاجتماع، فكانت تحن إلى عهد الشيخين وأول عهد عثمان، وتكره أن تسمع أو تفكر في شيء مما حدث بعد ذلك…
فإرجاء هؤلاء هو إرجاء شك وحيرة ونفرة من الخوض في القضية، لا إرجاء عقيدة وفكرة... خلافًا لأفكار الخوارج…
فأصل الإرجاء إذن خارج مذهب الخوارج هو التحول تدريجيًا من موقف سلبي إلى عقيدة ومبدأ )) . (62)
وسوف نتحدث عن تطور هذه الظاهرة في البحث القادم، وكيف تحولت تدريجيًا من بدعة نظرية ولأسباب معينة، إلى عقيدة ومبدأ، وظاهرة عامة تسيطر على كثير من مظاهر حياة المسلمين.
الفصل الثاني
تطور ظاهرة الإرجاء
* إرجاء الفقهاء.
* إرجاء الجهمية ومن تأثر بهذه البدعة قديمًا وحديثًا.
تطور ظاهرة الإرجاء