فهرس الكتاب

الصفحة 1415 من 2255

لقد تحوّل الفكر الإرجائي العام من بدعة نظرية، يدين بها أفراد معدودون إلى ظاهرة عامة تسيطر على الفكر الإسلامي، بل والحياة الإسلامية عامة.

وقد مر هذا الفكر بمراحل متعددة، وتباين من طائفة إلى أخرى، إلا أن أهم مرحلتين مرّ بهما:

-إرجاء الفقهاء والعبّاد من جهة.

-وإرجاء المتكلمين، أو ما يسمى بإرجاء الجهمية من جهة ثانية.

إرجاء الفقهاء:

ويقصد به: أن الإيمان هو التصديق بالقلب، والإقرار باللسان. أو (( المعرفة بالله، والإقرار بالله، والمعرفة بالرسول والإقرار بما جاء به من عند الله في الجملة دون التفسير ) ). (63)

وهو شبهة نظرية أخطأ فيها بعض العلماء نتيجة ردود فعل خاصة، ورأي غير مجرد، مثله في ذلك مثل زلة العالم، أو خطأ المجتهد، في أي مسألة نظرية.

وقد كان لثورة ابن الأشعث، وظهور الحجاج عليه، ثم ملاحقة العلماء والبطش بهم، أسوأ الأثر في بروز قرن الإرجاء هذا بين صفوف هؤلاء البائسين، المستسلمين للأمر الواقع، كما تجرأ الذين كانوا مرجئة من قبل فأعلنوا مذهبهم واستغلوا آثار الهزيمة لنشره، كما نشط الخوارج وخلت لهم الساحة أكثر من ذي قبل…. (64)

وقد قام أئمة أهل السنة والجماعة بجهد مشكور لمقاومة هذه الفكرة ومحاصرتها في مهدها… إذ لاحظ العلماء أن مذهب هؤلاء المرجئة الفقهاء يتضمن أن العمل لا يدخل في مسمى الإيمان.

فهذا الأوزاعي رحمه الله يقول: (( كان يحيى بن أبي كثير، وقتادة، يقولان ليس من أهل الأهواء شيء أخوف عندهم على الأمة من الإرجاء ) ). (65)

ويقول إبراهيم النخعي التابعي المشهور، وقد عاصر أحداث الحجاج (66) : (( الإرجاء بدعة، إياكم وهذا الرأي المحدث ) )وقال عن المرجئة: (( تركوا هذا الدين أرق من الثوب السابري ) )ومن أقواله أيضًا فيهم: (( لفتنتهم عندي أخوف على هذه الأمة من فتنة الأزارقة ) ).

ورغم أن القائلين بالإرجاء كانوا عبادًا زهادًا في الغالب إلا أن أهل السنة والجماعة لم يألوا جهدًا في مقاومة فكرهم، ولذلك فلا غرابة إذا تشدد ورثة هؤلاء التابعين من أئمة السنة على المرجئة مثل: وكيع، وابن المبارك، وابن معين، والإمام أحمد والبخاري، وأبي داود ونحوهم، وذلك أن الإرجاء الغالي قد ظهر في زمنهم. (67)

فهذا هو الخط الأول الذي سار عليه الإرجاء وهو ما سمي بإرجاء الفقهاء، وهو الاكتفاء بالقول دون العمل في مسمى الإيمان، وهذا الإرجاء هو الذي ذمه علماء السلف، (( ولا يفوتنا هنا أن كلمة المرجئة في اصطلاح هؤلاء العلماء - علماء السلف - إنما تعني هذا الإرجاء، أي إرجاء الفقهاء، وظل هذا قائمًا حتى بعد ظهور الجهمية، فكل ذم أو عيب قيل في المرجئة فهو منصرف لهم وحدهم حتى منتصف القرن الثاني تقريبًا، بل هو الأغلب إلى القرن الثالث ) ). (68)

فهؤلاء الفقهاء عندما جعلوا الأعمال خارجة عن مسمى الإيمان، لم يعارضوا وجوبها والمعاقبة عليها، مع وجوب ترك المحظورات، ولهذا عدّ بعض العلماء أن الخلاف كله لفظيّ.

يقول ابن تيمية (رحمه الله) عنهم (69) : وهذه الشبهة التي أوقعتهم - يعني شبهة عدم التعدد والتبعيض في الإيمان - مع علم كثير منهم وعبادته وحسن إسلامه وإيمانه، ولهذا دخل في إرجاء الفقهاء جماعة هم عند الأمة أهل علم ودين، ولهذا لم يكفر أحد من السلف أحدًا من مرجئة الفقهاء، بل جعلوا هذا من بدع الأقوال والأفعال، لا من بدع العقائد، فإن كثيرًا من النزاع فيها لفظي، لكن اللفظ المطابق للكتاب والسنة هو الصواب، فليس لأحد أن يقول بخلاف قول الله ورسوله، لا سيما وقد صار ذلك ذريعة إلى بدع أهل الكلام من أهل الإرجاء وغيرهم، وإلى ظهور الفسق، فصار ذلك الخطأ اليسير في اللفظ سببًا لخطأ عظيم في العقائد والأعمال، ولهذا عظم القول في ذم الإرجاء )) .

منطلق شبهة هؤلاء المرجئة:

إن منطلق الشبهات… في الإيمان، وأساس ضلال الفرق جميعها فيه هو أصل واحد، اتفقت عليه الأطراف المتناقضة ثم تضاربت عقائدها المؤسسة عليها.

ذلك أن الخوارج والمعتزلة والمرجئة - بأنواعهم - اتفقوا على أصل واحد، انطلقوا منه هو (( أن الإيمان شيء واحد لا يزيد ولا ينقص ) )وأنه لا يجتمع في القلب الواحد إيمان ونفاق، ولا يكون في أعمال العبد الواحد شعبة من الشرك، وشعبة من الإيمان.

فالمرجئة وجدوا أن النصوص الكثيرة والنظر العقلي يدلان على فساد قول الخوارج من أن مرتكب الكبيرة غير مؤمن، وكذلك المعتزلة حيث سلبوا مسمى الإيمان عنه، ولم يدخلوه في الكفر، وابتدعوا ما أسموه (( المنزلة بين المنزلتين ) ).

ثم وجد المرجئة أن ارتكاب المحظورات وترك الفرائض هو من جنس الأعمال لا الاعتقادات، فاتفقت سائر فرقهم على إخراج الأعمال من مسمى الإيمان، حتى يسلم لها الأصل المذكور، فيظل تارك الصلاة مثلًا أو مرتكب المحرم مؤمنًا، بل لم يتورع بعضهم عن التصريح بمساواة إيمانه بإيمان الملائكة والنبيين بناءً على هذا الأصل.

ثم اختلفت فرق المرجئة: فمنهم من يقول: الإيمان محله القلب ومنهم من يضيف إليه إقرار اللسان، والذين قالوا: محله القلب، اختلفوا في التسمية. فقال بعضهم: هو المعرفة، وقال آخرون: هو التصديق. (70)

ولهدم هذه الشبهة شرعًا نقول بإيجاز:

1-انعقد الإجماع من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وهو إجماع يستند إلى النصوص الصحيحة من الكتاب والسنة، في زيادة الإيمان ونقصه، واجتماع النفاق والإيمان في القلب الواحد، واجتماع الشرك والإيمان في عمل الرجل الواحد. (71)

2-تفاضل المؤمنين في الأعمال الظاهرة تفاضلًا لا ينكره إلا مكابر، فمنهم القانت الأواب، والمجاهد الدائب، ومنهم المقتصد، ومنهم الظالم لنفسه المنهمك في فسقه.

3-تفاوت المؤمنين في الأعمال الباطنة، كالحب والخوف والرجاء والذكر والتفكر في آلاء الله وآياته، والخشوع واليقين.. ونحو ذلك، مما لا يجحده إلا معاند مكابر.

4-تفاوت الناس في العلم: فالمعرفة والعلم واليقين، لكل منها درجات متفاوتة، والإنسان الواحد نفسه، قد يكون إيمانه بشيء أقوى من إيمانه بشيء آخر، ويكون إيمانه بالشيء اليوم أقوى منه غدًا أو العكس.

أما الخط الثاني وهو الأكثر خطرًا، فهو ما يسمى بإرجاء الجهمية، الذي تأثر كثيرًا بعلم الكلام، والغزو الفلسفي، فهو مجال حديثنا في الصفحات القادمة (72) .

2-الخط الثاني من الإرجاء وهو ما يسمى بإرجاء الجهمية:

ويعتمد على القول بأن الإيمان هو المعرفة فقط. (73)

وقد انقرض القائلون بأن الإيمان هو مجرد المعرفة القلبية ولكن العجيب هو قيام أعظم مذهبين في الإرجاء وهما: الأشعرية والماتريدية (اللذان يشكلان جملة الظاهرة العامة) على أصوله في أن الإيمان هو ما في القلب فقط…

وقد استطاع هذا الخط الجهمي أن يحتوي الخط الأول وغيره من الخطوط، ويصبح هو المهيمن على فكر أكثر الفرق الإسلامية انتشارًا. (74)

(( ولقد أصبحت الظاهرة العامة للإرجاء في طورها النهائي مكونة من مذهبي الأشعرية والماتريدية اللذين شمل انتشارهما معظم الأقطار الإسلامية، وتبنتها أكثر المعاهد الإسلامية شرقًا وغربًا، وهذا من أعظم السمات الفكرية لعصور الانحراف في الفكر الإسلامي والحياة الإسلامية العامة ) ). (75)

والغريب أن أكبر ظاهرة غريبة وفدت على الفكر الإسلامي هي ظاهرة الغزو الفلسفي الإغريقي، إذ كيف تقبل أمة الوحي والتوحيد الخالص، فكرًا وثنيًا لأمة مشركة منقرضة؟

هذا الغزو هو الذي ترك الأثر الكلامي والفلسفي الذي أوجد رؤوس الضلالة لكثير من الأفكار الزائغة هذه.

الجهمية وتغلغل الشرك والوثنية بين ثنايا رؤوسها:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت