فهرس الكتاب
فبشر المريسي يهودي، كما نص عليه الدارمي والإمام أحمد، وإبراهيم النظام (( برهمي ) )فقد ذكر بعض العلماء أنه كان يخفي برهميته بالاعتزال، وكتبه تدل على ذلك. (76)
وعبدك الصوفي (( ثيوصوفي ) )والثيوصوفية معناها الحكماء الإلهيون، وعبد الله بن المقفع (( مجوسي ) ).
وهناك سوسن النصراني، ولبيد بن أعصم اليهودي وغيرهم (77) ، وكان المسلمون ينفرون من الفكر الدخيل، فلما فتح المسلمون أرض فارس ووجدوا فيها كتبًا كثيرة، كتب سعد بن أبي وقاص إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، يستأذن في شأنها، فكتب إليه عمر أن اطرحوها في الماء فإن يكن ما فيها هدى، فقد هدانا الله بأهدى منه، وإن يكن ضلالًا فقد كفانا الله! فطرحوها في الماء أو في النار. (78)
وعلى هذا ثبتت الطائفة المنصورة في كل العصور، ولكن المنهج التوفيقي الذي ابتليت به هذه الأمة عكر على هذا المنهج الحازم مواقفه وأفسد كثيرًا، في حين أراد إصلاحًا وتوفيقًا.
هذا المنهج يرى إمكان الجمع بين الوحي والفلسفة، بين منهج القرآن ومنهج اليونان (79) ، والخروج لموقف أو رأي وسط بينهما، فكثر التأويل وكثرت المخالفات للنصوص القطعية، حتى انحاز أصحاب هذا الاتجاه إلى جانب الفلسفة. (80)
لقد تحول هذا الفكر إلى إخراج العمل من مسمى الإيمان كما عرفنا، وأصبح الإنسان مؤمنًا كامل الإيمان، ولو لم يركع لله ركعة، ولو لم يعمل في الإسلام خيرًا، حتى أن كثيرًا من الأشعرية والماتريدية صرحوا بنفي أن تكون شهادة أن لا إله إلا الله داخلة في الإيمان.
يقول أبو منصور البغدادي أحد أئمة الأشعرية:
(( أما الإقرار وهو قول كلمة الشهادة، والعمل الذي هو فعل المأمورات وترك المنهيات، فليس من الإيمان ولا يكون تاركهما كافرًا، فإن كان تاركًا للإقرار كان مؤمنًا عند الله فحسب، وإن كان تاركًا للعمل كان مؤمنًا عند الله وفي أحكام الدنيا أيضًا ) ) (81) .
ويقول سعد الدين التفتازاني ضمن كلام معقد طويل عن مسألة النطق بالشهادتين وحكمه: (( أن ها هنا مطلبين، الأول: أن الإقرار ليس جزءًا من الإيمان، والثاني: أنه(أي الإيمان) التصديق لا غير )). وهو ينقل عن شرح المواقف: (( أن السجود للصنم بالاختيار يدل بظاهره على أنه ليس بصدق، ونحن نحكم بالظاهر فلذلك حكمنا بعدم إيمانه، حتى علم أنه لم يسجد له على سبيل التعظيم، بل سجد له وقلبه مطمئن بالإيمان، لم يحكم بكفره فيما بينه وبين الله تعالى، وإن أجري عليه حكم الكافر في الظاهر ) ) (82) .
ومن الكتاب المعاصرين من تحدث عن حكم النطق بالشهادتين على طريقة القوم فقال: (( أما من لم ينطق بالشهادتين بغير سبب من الأسباب ولكنه مصدق بقلبه، مطمئن إلى دين الله وأحكامه، فالقول الراجح أنه ناج عند الله، وإن كان لا يعامل معاملة المسلمين لعدم العلم بإيمانه، وعدم الدليل عليه، وهذا كله فيمن يريد الدخول في الإسلام، أما أولاد المؤمنين فهم مؤمنون وإن لم يحصل منهم النطق بالشهادتين إلا إذا ظهر منهم ما يتنافى مع الإيمان ) ). (83)
وهكذا يتفق قدماء القوم ومعاصروهم على هذا الأصل الخطير الذي سوف نوضح مخالفته التامة للحق في الفصول القادمة.
فإذا كانت الشهادتان وهما الركن الأول من أركان الإسلام قد أخرجهما هؤلاء المرجئة الضالون من حقيقة الإيمان، وجعلوهما شرطًا لإجراء أحكام الدنيا على المكلف فحسب، فما بال الأركان الأخرى والأعمال الفضلى التي أمر بها الإسلام؟!
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (( ومن هنا يظهر خطأ قول جهم بن صفوان ومن اتبعه، حيث ظنوا أن الإيمان مجرد تصديق القلب وعلمه، ولم يجعلوا أعمال القلب من الإيمان، وظنوا أنه قد يكون الإنسان مؤمنًا كامل الإيمان بقلبه، وهو مع هذا يسب الله ورسوله، ويعادي أولياء الله، ويوالي أعداء الله، ويقتل الأنبياء ويهدم المسجد، ويهين المصاحف، ويكرم الكفار غاية الكرامة، ويهين المؤمنين غاية الإهانة، قالوا: وهذه كلها معاصٍ لا تنافي الإيمان الذي في قلبه، وقالوا: إنما ثبت له في الدنيا أحكام الكفار، لأن هذه الأقوال أمارة على الكفر ليحكم بالظاهر كما يحكم بالإقرار والشهود… ) ).
إلى أن قال: (( وهذا القول مع أنه أفسد قول قيل في الإيمان فقد ذهب إليه كثير من أهل الكلام المرجئة، وقد كفر السلف كوكيع بن الجراح، وأحمد بن حنبل، وأبي عبيد وغيرهم من يقول بهذا القول ) ).
ويقول في موضع آخر: (84)
(( والتحقيق أن إيمان القلب التام يستلزم العمل الظاهر بحسبه لا محالة، ويمتنع أن يقوم بالقلب إيمان تام بدون عمل ظاهر، ولهذا صاروا يقدرون مسائل يمتنع وقوعها لعدم تحقيق الارتباط الذي بين البدن والقلب، مثل أن يقولوا: رجل في قلبه من الإيمان مثل ما في قلب أبي بكر وعمر، وهو لا يسجد لله سجدة، ولا يصوم رمضان، ويزني بأمه وأخته ويشرب الخمر نهار رمضان، يقولون: هذا مؤمن تام الإيمان، فيبقى سائر المؤمنين ينكرون ذلك غاية الإنكار ) ).
هذا هو الفكر الإرجائي الذي أفرزته هذه الفرق المنحرفة وإن المسلم ليكاد يذهل مما كتبه المرجئة المتكلمون حول حقيقة الإيمان، وهذا ما نخر في جسم الأمة، وأودى بها إلى مهاوي الهلكة.
ولبيان فساد هذا المعتقد سوف أخصص الفصلين القادمين للرد على هذا الزيغ، فالإيمان قول وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهو مذهب أهل السنة والجماعة.
أما الفصل الرابع فسوف يخصص لبيان الارتباط الوثيق بين إيمان القلب وعمل الجوارح، وعن حقيقة الترابط بين أجزاء الإيمان على ضوء مذهب السلف، خلافًا لما أجمع عليه أهل الإرجاء من إخراج العمل عن مسمى الإيمان.
الفصل الثالث
الإيمان قول وعمل يزيد
بالطاعة وينقص بالمعصية
ويدل على ذلك:
1-حقيقة الجيل الأول الذي رباه رسول الله صلى الله عليه وسلم وواقع هذا الدين.
2-إجماع علماء السلف على أن الإيمان قول وعمل وعلى ضلال المرجئة.
3-الأدلة الصريحة من الكتاب والسنة على اقتران العمل بالإيمان، وعلى فساد بدعة المرجئة في إخراج العمل من مسمى الإيمان.
الإيمان قول وعمل
يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية
نريد أن نناقش في هذا الفصل بدعة المرجئة الذين يرون أن الأعمال خارجة عن الإيمان، وأن الإيمان شيء واحد لا يزيد ولا ينقص، ولا يتفاضل الناس فيه بل قالوا: ما هو أسوأ من ذلك، وهو أن ارتكاب جميع المحرمات، وترك جميع الطاعات، لا يذهب شيئًا من الإيمان، إذ لو ذهب منه شيء، لم يبق منه شيء، وهذا ما اتفقت عليه فرقهم كلها. (85)
وقد جعل المرجئة أن أعظم أركان الإسلام وهو الشهادتان، بمنزلة شهادة الشهود أو القرائن الظاهرة، التي قد يكون الواقع مخالفًا لها، حتى أنهم قالوا: إن من سبّ الله، أو قتل الرسول، يجوز أن يكون مؤمنًا في الباطن، ولا يكون كافرًا قط، إلا إذا انتفى العلم الباطن من قلبه… وما سوى ذلك لا نجزم بكفره، وإن أقمنا عليه أحكامه الظاهرة.
وينقض هذه الآراء الضالة:
1-حقيقة الجيل الأول وواقع هذا الدين.
2-إجماع علماء السلف على ضلال هذه المعتقدات.
3-الأدلة الصريحة من الكتاب والسنة على فساد آراء المرجئة هذه.
1-حقيقة الجيل الأول وواقع هذا الدين:
كانت حقيقة الجيل الأول الذي رباه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حقيقة حية للإيمان كما فهموه وتربوا عليه لقد كانت حياتهم حلقات قاسية من المعاناة والتربية بالأحداث والتجارب والفتنة والابتلاء.