فهرس الكتاب
كان الإيمان الراسخ في القلوب يحرك ذلك الجيل لأعمال ضخمة، فكانت التضحيات وكانت الغزوات والسرايا وكان الجهاد ينشر هذا الدين، كل ذلك يعتبر برهانًا ساطعًا على حقيقة دين الله تعالى، وحقيقة النفس التي يجب أن تؤمن به وتستقيم عليه، مع صراع مستمر لدحر الجاهلية بكل أشكالها.
(( وقد استمرت سيرتهم امتدادًا لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم في الجهاد بكل ضروبه، ففتحوا الآفاق والبلاد وفتحوا القلوب والعقول ونقلوا للناس هدى نبيهم حيًا ماثلًا، فما انقضى عصرهم حتى أنفقت كنوز كسرى وقيصر في سبيل الله…
كانوا يعملون ذلك على أنه هو حقيقة الإسلام، وهو شعب الإيمان، وهو مفتاح الشهادتين… )) . (86)
وخير من وضح هذه القضية من الدعاة المعاصرين الأستاذ سيد قطب رحمه الله إذ يقول: (( إن حقيقة العبادة لو كانت مجرد الشعائر التعبدية ما استحقت كل هذا الموكب من الرسل والرسالات، وما استحقت كل هذه الجهود المضنية التي بذلها الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، وما استحقت كل هذه العذابات والآلام التي تعرض لها الدعاة والمؤمنون على مدار الزمان، إنما الذي استحق كل هذا الثمن الباهظ هو إخراج البشر جملة من الدينونة للعباد وردهم إلى الدينونة لله وحده في كل أمر، وفي منهج حياتهم كله ) ). (87)
2-إجماع علماء السلف على خلاف هذه المعتقدات:
عندما اتسع الخلاف بين الفرق في موضوع الإيمان ظهرت الحاجة إلى قول فصل يعرف الناس به هذا المفهوم في الكتاب والسنة، فتواردت أقوال علماء الجماعة في جميع الأمصار على معنى موجز شاف مقتبس من الكتاب والسنة، وموافق للعقل والفطرة، ومترجم لواقع الجيل الأول وهو: (( أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ) ). (88)
قال الإمام البخاري رحمه الله: (( لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار، فما رأيت أحدًا منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ) ). (89)
وقال الإمامان الجليلان أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان فيما رواه عنهما الإمام عبد الرحمن بن أبي حاتم قال:
(( سألت أبي وأبازرعة عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين، وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار، وما يعتقدان من ذلك فقالا: أدركنا العلماء في جميع الأمصار - فكان من مذهبهم: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ) ).
ثم ذكر عقيدة عظيمة أيضًا جاء فيها: (( وأهل الكبائر في مشيئة الله عز وجل، ولا نكفر أهل القبلة بذنوبهم، ونكل سرائرهم إلى الله عز وجل ) ). (90)
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام، وله كتاب مصنف في الإيمان قال: هذه تسمية من كان يقول: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص (وعدد العشرات من أئمة العلم في الأقطار) ثم قال: وهؤلاء جميعًا يقولون: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، وهو قول أهل السنة المعمول به عندنا )) . (91)
ويقول الإمام الحافظ ابن رجب الحنبلي:
(( والمشهور عن السلف وأهل الحديث أن الإيمان قول وعمل وفيه وأن الأعمال كلها داخلة في مسمى الإيمان، وحكى الشافعي على ذلك إجماع الصحابة والتابعين، ومن بعدهم ممن أدركهم وأنكر السلف على من أخرج الأعمال عن الإيمان إنكارًا شديدًا، ومن هؤلاء سعيد بن جبير وقتادة والنخعي والزهري وغيرهم وقال الثوري: هو رأي محمد أدركنا الناس على غيره ) ). (92)
* وهنا شبهة لابد من إزالتها، وقد أثارها المرجئة على أن السلف أهملوا إيمان القلب.
والواقع أن المرجئة عندما ابتدعوا القول في أن الإيمان قول فقط، كذبهم السلف وردوا عليهم دعواهم قائلين: بل هو قول وعمل، من هنا نشأت العبارة، ذلك أن أعمال القلوب لم تكن موضع نزاع بين السلف وأصناف المرجئة المتقدمين إلا فرقة شاذة هي فرقة الجهم بن صفوان، ومن وافقه كالصالحي، وهي فرقة كفرها السلف بهذا وبمقالاتها الأخرى في الصفات والقدر.
وإنما أصبحت أعمال القلوب محل نزاع كبير بعد أن تبنى الأشاعرة مذهب جهم في الإيمان، وحصروه في عمل قلبي واحد هو التصديق ومال إليهم الماتريدية بعد ذلك. (93)
وقال أيضًا: (( إن من قال من السلف الإيمان قول وعمل أراد قول القلب واللسان وعمل القلب والجوارح ) ). (94)
وقال ابن القيم: (( إن الإيمان قول وعمل: والقول قول القلب واللسان، والعمل عمل القلب والجوارح ) ). (95)
وسوف نفصل القول في العلاقة بين إيمان القلب وإيمان الجوارح في الفصل القادم إن شاء الله.
3-أما أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية:
فعليه أدلة كثيرة نذكر بعضها مما ينقض رأي المرجئة.
فالمعصية لا تخرج من الإيمان ولكنها بالتأكيد تؤثر فيه قال صلى الله عليه وسلم: (( إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة، فإذا هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه، وهو الران الذي ذكره الله تعالى: { كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(14) كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ } [المطففين: 14-16] . (96)
وفي السخرية من مقولة المرجئة أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، قال وكيع: (( أترى إيمان الحجاج بن يوسف مثل إيمان أبي بكر وعمر رضي الله عنهما؟ ) ). (97)
بل ينتفي الإيمان تمامًا إذا خالطه الشرك الأكبر.
هذا (( وإن ذل المعصية لابد أن يقوم بالقلب، فيورثه خوفًا من غير الله، وذلك شرك، ويورثه محبة لغير الله، واستعانة بغير الله في الأسباب التي توصله إلى غرضه، فيكون عمله لا بالله، ولا لله، وهذا حقيقة الشرك.
نعم قد يكون معه توحيد أبي جهل وعبّاد الأصنام، وهو توحيد الربوبية، وهو الاعتراف بأنه لا خالق إلا الله، ولو أنجى هذا التوحيد وحده لأنجى عبّاد الأصنام، والشأن في توحيد الألوهية هو الفارق بين المشركين والموحدين )) . (98)
والواقع أن المعنى الذي يستحق به العبد المدح والولاية من المؤمنين هو إتيانه بهذه الأمور: التصديق بالقلب والإقرار باللسان، والعمل بالجوارح، قال تعالى: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3) أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } [الأنفال:2-4] فأخبر تعالى (أن المؤمن من كانت هذه صفته) . (99)
كيف لا يزيد الإيمان بالطاعة، وهو يتغير في نفس صاحبه خلال تلاوة القرآن، والذكر واتصال القلب بالله خلال العبادة خلافًا لغيرها من الأوقات.
عن حنظلة قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوعظنا فذكر النار، قال: ثم جئت إلى البيت فضاحكت الصبيان، ولاعبت المرأة، قال: فخرجت فلقيت أبا بكر فذكرت ذلك له فقال: وأنا قد فعلت مثل ما تذكر. فلقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت: يا رسول الله! نافق حنظل. فقال: مَهْ؟ فحدثته بالحديث، فقال أبو بكر: وأنا قد فعلت مثل ما فعل. فقال: يا حنظلة، ساعة وساعة، ولو كانت تكون قلوبكم كما تكون عند الذكر، لصافحتكم الملائكة، حتى تسلم عليكم في الطرق )) . (100)
الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة:
الأدلة على اقتران العمل بالإيمان كثيرة:
قال تعالى: { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ } [البقرة:143] أي صلاتكم إلى بيت المقدس قبل تحويل القبلة.