فهرس الكتاب
وقد استدل من السلف قديمًا الإمام أبو بكر بن الحسين الآجري قال: إن الله عز وجل لم يثن على المؤمنين بأنه قد رضي عنهم، وأنهم قد رضوا عنه، وأثابهم على ذلك الدخول إلى الجنة والنجاة من النار إلا بالإيمان والعمل الصالح، وقرن مع الإيمان العمل الصالح، فلم يدخلهم الجنة بالإيمان وحده حتى ضم إليه العمل الصالح الذي قد وفقهم إليه، فصار الإيمان لا يتم لأحد حتى يكون مصدقًا بقلبه، وناطقًا بلسانه، وعاملًا بجوارحه.
وقال رحمه الله: قد تصفحت القرآن فوجدت فيه ما ذكرته في ستة وخمسين موضوعًا من كتاب الله عز وجل، أن الله تبارك وتعالى لم يدخل المؤمنين الجنة بالإيمان وحده، بل أدخلهم الجنة برحمته إياهم، وبما وفقهم له من الإيمان به والعمل الصالح.
وهذا رد على من قال: (( الإيمان المعرفة ) )وعلى من قال: (( المعرفة والقول وإن لم يعمل ) ).
ثم شرع رحمه الله في سرد هذه المواضع ابتداءً من قوله تعالى في سورة البقرة: { وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ } [البقرة:20] إلى قوله: { وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ } [العصر:1-3] .
ومن ذلك قوله تعالى في سورة طه: { وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ الدَّرَجَاتُ الْعُلا } [طه:75] ، فإذا ضممنا إليها آية أخرى في السورة نفسها: { وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا } [طه:112] .
ومنها: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ } [آل عمران:110] .
ومنها قوله تعالى: { مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ } [النساء:147] .
أما الصلاة والزكاة ففي قوله تعالى: { لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمْ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لأكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ } [المائدة:12] .
فالإيمان ليس بالتحلي ولا بالتمني، بل ما وقر في القلب وصدقه العمل، أنه لا أحد أحسن دينًا ممن أسلم أي انقاد وأطاع بلا حرج ولا منازعة، وهذه هي ملة إبراهيم التي لا يقبل الله دينًا غيرها، مهما كثرت الأماني والدعاوى. (101)
الأحاديث الدالة على فساد رأي المرجئة:
أما الأحاديث في ذلك فهي كثيرة وهذه أهمها: (102)
1-حديث جبريل عليه السلام وهو حديث صحيح رواه الشيخان وغيرهما وفيه:
(( يا محمد: أخبرني عن الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا. قال صدقت ) ). (103)
قال الإمام البغوي في شرح هذا الحديث: (( جعل النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الإسلام اسمًا لما ظهر من الأعمال، وجعل الإيمان اسمًا لما بطن من الاعتقاد، وليس ذلك لأن الأعمال ليست من الإيمان أو التصديق بالقلب، ليس من الإسلام، بل ذلك تفصيل لجملة، هي كلها شيء واحد وجماعها الدين ولذلك قال: (( ذاك جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم ) ). (104)
2-حديث شعب الإيمان:
عن أبي هريرة t قال: قال صلى الله عليه وسلم: (( الإيمان بضع وسبعون، أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ) ). (105)
3-حديث وفد عبد القيس:
عن ابن عباس رضي الله عنهما أن وفد عبد القيس أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (( من الوفد؟ أو من القوم؟ قالوا: ربيعة فقال: مرحبًا بالقوم - أو بالوفد - غير خزايا ولا نادمين.
قالوا: إنا نأتيك من شقة بعيدة، وبيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، ولا نستطيع أن نأتيك إلا في شهر حرام، فمرنا بأمر نخبر من وراءنا ندخل الجنة.
فأمرهم بأربع ونهاهم عن أربع:
أمرهم بالإيمان بالله عز وجل، قال: هل تدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة ألا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وتعطوا الخمس من المغنم. ونهاهم عن الدباء والحنتم والمزفت. قال شعبة ربما قال: النقير وربما قال المقيّر (106) قال: احفظوه وأخبروه من وراءكم )) . (107)
فهذا الحديث متقدم ولذلك لم يذكر فيه الحج، ولكن أهميته ظاهرة في أنه فسر الإيمان بالأركان الأربعة، فدل على أن الإيمان إذا انفرد عن الإسلام يشمل باطن الدين وظاهره، أي مجموع ما ذكر في حديث جبريل من أركان الإسلام وأركان الإيمان، وكذلك حديث الشعب فإن أركان الإسلام الخمسة داخلة في الشعب بدليل أنه جعل كلمة الشهادة أفضل الشعب وأعلاها.
ويرى الإمام أحمد في أكثر الروايات عنه، أن تارك أحد أركان الإسلام الأربعة - عدا الشهادتين - متعمدًا كافر كتارك الركن الأول، وله من سلف الصحابة والتابعين في هذا الرأي.
ووجد الاستدلال بهذه الرواية أن حديث جبريل اشتمل على أركان العمل الظاهر (( الإسلام ) )، وأركان الاعتماد الباطن (( الإيمان ) )، وهو لتأخره قاض على كل ما سبق من أحاديث فيها إطلاق دخول الجنة لمجرد الشهادة أو نقص في عدد الأركان ونحو ذلك.
وقد صرح فيه بأنه إذا فعل الأركان الظاهرة فهو مسلم، وإذا فعل الأركان الباطنة فهو مؤمن، ومن هذين يتركب الدين وتتكون حقيقته.
وهذه الأعمال الظاهرة التي سماها إسلامًا في حديث جبريل، سماها إيمانًا في حديث الشعب، وحديث وفد عبد القيس.
يقول أبو طالب المكي من كلام نفيس له حول هذا الموضوع:
(( لا إيمان لمن لا إسلام له، ولا إسلام لمن لا إيمان له… ومن كان ظاهره أعمال الإسلام، ولا يرجع إلى عقود الإيمان بالغيب، فهو منافق نفاقًا ينقل عن الملة، ومن عنده الإيمان بالغيب ولا يعمل بأحكام الإيمان وشرائع الإسلام فهو كافر كفرًا لا يثبت معه توحيد… ) ). (108)
وقال ابن تيمية رحمه الله في كتاب الإيمان: (( وقد اتفق المسلمون على أنه من لم يأت بالشهادتين فهو كافر، وأما الأعمال الأربعة فاختلفوا في تكفير تاركها ) ).
(( ثم ذكر الروايات عن الإمام أحمد في ذلك وقال: قال الحكم بن عتيبة: (( من ترك الصلاة متعمدًا فقد كفر، ومن ترك الزكاة متعمدًا فقد كفر، ومن ترك الحج متعمدًا فقد كفر، ومن ترك صوم رمضان متعمدًا فقد كفر ) ).
وقال سعيد بن جبير كلامًا مثل هذا.
ويتبين مما سبق أن الأعمال الباطنة هي (( الإيمان ) )الذي يشمل قول القلب وعمله، والأعمال الظاهرة هي الإسلام الذي يشمل قول اللسان وعمل الجوارح، وأصول الأجزاء الظاهرة من الإيمان هي أركان الإسلام الخمسة، وهذه الأركان ترجع في الأصل إلى ركن واحد هو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، والباقي حقوق لها وفروع منها.
فكل ما ورد من نصوص في أحكام المسلمين، أو أصحاب التوحيد أو أهل القبلة، وما أطلق من تعليق النجاة في الدنيا والآخرة، على الإقرار بالشهادتين، فالمقصود به هو هذا، أي من يشهد بها قائمًا بحقوقها، فهو المسلم الموحد الذي يعد من أهل القبلة، وتجري عليه أحكامهم وحقوقهم في الدنيا والآخرة. (109)
وننقل أخيرًا نقلًا مهمًا عن الإمام سفيان بن عيينة، إذ روى عنه الإمام عبد الله ابن الإمام أحمد قال: