فهرس الكتاب
(( حدثنا سويد بن سعيد الهروي قال: سألنا سفيان بن عيينة عن الإرجاء فقال: يقولون الإيمان قول، ونحن نقول: الإيمان قول وعمل.
والمرجئون أوجبوا الجنة لمن شهد أن لا إله إلا الله، مصرًّا بقلبه على ترك الفرائض، وجعلوه ذنبًا بمنزلة ركوب المحارم وليسا سواء.
لأن ركوب المحارم من غير استحلال معصية، وترك الفرائض متعمدًا من غير جهل ولا عذر هو كفر.
وبيان ركوب المحارم من غير استحلال معصية، وترك الفرائض متعمدًا من غير جهل ولا عذر هو كفر.
وبيان ذلك في أمر آدم وإبليس وعلماء اليهود.
أما آدم فنهاه عن أكل الشجرة وحرمها عليه، فأكل منها متعمدًا ليكون ملكًا، أو يكون من الخالدين فيسمى عاصيًا من غير كفر، وأما إبليس فإنه فرض عليه سجدة واحدة فجحدها متعمدًا فسمي كافرًا.
وأما علماء اليهود فعرفوا نعت النبي صلى الله عليه وسلم وأنه نبي رسول، كما يعرفون أبناءهم، وأقروا به باللسان، ولم يتبعوا شرائعه، فسماهم كفارًا.
فركوب المحارم مثل ذنب آدم وغيره من الأنبياء.
وتركها على معرفة من غير جحود فهو مثل كفر علماء اليهود (110) فهذا الكلام الموجز الواضح هو تفصيل لأنواع من الكفر، وبيان لمناط تكفير تارك الفرائض.
الفصل الرابع
العلاقة بين إيمان القلب وعمل الجوارح
1-حقيقة الترابط بين أجزاء الإيمان على ضوء مذهب السلف، قول القلب وعمله، وقول اللسان وعمل الجوارح يتركب منها حقيقة الإيمان الشرعي.
2-علاقة قول اللسان بقول القلب عمله. (( حقيقة لا إله إلا الله ومقتضياتها ) ).
3-إثبات عمل القلب وأهميته في الإيمان: نماذج من أعمال القلوب.
4-أثر عمل الجوارح في أعمال القلوب: بيان أثر المعاصي والطاعات على القلب.
العلاقة بين إيمان القلب وعمل الجوارح (111)
تعتبر العلاقة بين إيمان القلب وعمل الجوارح، من أهم قضايا الإيمان، وقد تسرب الضلال إلى صفوف المرجئة بسبب عدم فهم هذه العلاقة، بل كان ذلك سببًا في انحراف كثير من المسلمين، حيث ظنوا أن المرء قد يكون كامل الإيمان في القلب، دون عمل الجوارح مطلقًا، كما ظنوا أن تماثل الناس في أعمال الجوارح تقتضي تماثل إيمانهم وأجورهم عند الله. ولفهم هذه القضية:
1-لابد أن نعلم حقيقة الترابط بين أجزاء الإيمان على ضوء مذهب السلف:
فالقلب: يشمل إقرار القلب وتصديقه، وهو الإيمان المجمل، مع إقرار اللسان وتصديقه، وهو شهادة أن لا إله إلا الله.
والعمل: يعني انقياد القلب وإذعانه، ويكون ذلك بتحقيق أعمال القلوب مع انقياد الجوارح وامتثالها بفعل الأوامر، وترك النواهي.
وهذان الركنان: القول والعمل، أو الأربعة أجزاء: قول القلب وعمله، وقول اللسان وعمل الجوارح، يتركب منها حقيقة الإيمان الشرعي.
على أن هذه الأجزاء تتكون تفصيلًا من بضع وسبعين شعبة، وكل شعبة فيها قابلة للتفاوت بين أعلى درجات الكمال، وأدنى درجات النقص أو الاضمحلال والعدم، وبهذا نفهم اندراج كل الأعمال فرضًا كانت أو نفلًا في مسمى الإيمان المطلق، ومن أظهر الأدلة على هذا الامتزاج أنه قد وردت النصوص بتسمية الإيمان عملًا، وتسمية العمل إيمانًا. (112)
فأما تسمية الأعمال إيمانًا: فنصوصه كثيرة جدًا، حتى أن الإمام البخاري رحمه الله، عقد في كتاب الإيمان من الصحيح تراجم كثيرة لذلك مثل: (باب الجهاد من الإيمان) ، (باب الصلاة من الإيمان) ، ونحو ذلك، وأورد في ذلك الأحاديث الصحيحة التي شاركه في إخراجها كتب السنة الأخرى.
وأما تسمية الإيمان عملًا: فقد عقد له أيضًا. مثل (باب من قال إن الإيمان هو العمل لقوله تعالى: { وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } [الزخرف:72] . ثم روى بسنده عن أبي هريرة t أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل:(( أي العمل أفضل؟ فقال: إيمان بالله ورسوله، قيل ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل ثم ماذا؟ قال: حج مبرور ) ). (113)
وقد قال الإمام الأوزاعي رحمه الله: (( كان من مضى من سلفنا لا يفرقون بين الإيمان والعمل، العمل من الإيمان، والإيمان من العمل ) ). (114)
ولتوضيح ذلك نورد مثالين: أحدهما من أعمال الجوارح، والآخر من أعمال القلوب، وهما الصلاة والحياء.
فالصلاة: وهي من أعمال الجوارح، قد ورد تسميتها إيمانًا في القرآن. قال تعالى: { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ } [البقرة:143] أي صلاتكم إلى بيت المقدس. (115)
والحياء: عمل قلبي، وقد صح تسميته إيمانًا في حديث الشُّعَب وغيره، ومع ذلك فلا يمكن تصور وجوده في القلب إلا بظهور أثره على اللسان والجوارح، وبمقدار حياء الجوارح يقاس حياء القلب.
ثم يأتي بعد ذلك مسألة التفاوت في الصلاة، والتفاوت في الحياء، فصلاة يقترن بها الخشوع وحضور القلب، وحسن الأداء، لا تكون كأخرى منقورة نقر الغراب.
وكذلك حياء مقرون به زيادة التقوى، وحسن السمت، وورع اللسان، لا يكون كحياء رجل ليس لديه إلا ما يمسكه عمّا يفعله أو يقوله من لا حياء له. (116)
ولقد وصل الشذوذ بالمرجئة الغالية إلى حد القول بأن قول لا إله إلا الله باللسان ليس شرطًا في الإيمان - عندهم - بل قالوا: يكفي حصول الإيمان في القلب لنجاة صاحبه عند الله، وأما أحكام الدنيا فقد جعلت الشهادتان أمارة على ما في القلب، وبها نحكم على قائلها بالإيمان، وجعلوا هذا هو الغاية من الشهادتين، وليس لديهم من شبهة إلا أن الإيمان محله كله القلب، وأنه ما يظهر على الجوارح فهو مجرد إمارات وثمرات. (117)
2-علاقة قول اللسان بقول القلب وعمله:
يعتقد المرجئة أن قول لا إله إلا الله، إنما هو إخبار عما في القلب من تصديق - إذ لا يثبتون من أعمال القلوب سوى التصديق فمتى تلفظ الإنسان بها فقد أصبح عندهم مؤمنًا باطنًا وظاهرًا، بخلاف ما لو امتنع عن قولها، فإنه (عندهم) يعتبر كافرًا مع جواز كونه مؤمنًا باطنًا، وكذلك متى ارتكب فعلًا مكفرًا، قالوا: يكفر ظاهرًا. (118)
أما من ورد الوحي بنفي الإيمان عنه، لارتكابه فعلًا مكفرًا (كإبليس) ، أو امتناعه عن الشهادتين (كاليهود) فقالوا: هذا ليس في قلبه تصديق أصلًا، وفي هذا من المغالطات ما لا يخفى.
والمراد هنا أن نبين غلط المرجئة في هذه القضية، وهي اعتبار قول لا إله إلا الله: إخبار مجرد، ويتجاهلون أنه قد حصل الإخبار المجرد هذا من بعض أحبار اليهود، ومن بعض كفار قريش، حيث ثبت إقرارهم برسالة النبي صلى الله عليه وسلم إخبارًا عما في نفوسهم من اعتقاد صدقه في كل ما يقول، ولم يثبت لهم ذلك إسلامًا قط.
قال شيخ الإسلام في معرض رده على المرجئة: (119)
(( وأيضًا فقد جاء نفر من اليهود إلى النبي فقالوا: نشهد أنك رسول، ولم يكونوا مسلمين بذلك لأنهم قالوا ذلك على سبيل الإخبار عما في نفوسهم أن نعلم ونجزم أنك رسول الله. قال: فلمَ لا تتبعوني؟ قالوا: نخاف من اليهود، فعُلم أن مجرد العلم والإخبار عنه(أي عن العلم) ليس بإيمان، حتى يتكلم بالإيمان على وجه الإنشاء المتضمن للالتزام والانقياد، مع تضمن ذلك الإخبار عما في أنفسهم )). وقال أيضًا: (( وقد اتفق المسلمون على أنه من لم يأت بالشهادتين، فهو كافر ) ). (120)
(( وأن من صدق بقلبه، ولم يتكلم بلسانه، فإنه لا يعلق به شيء من أحكام الإيمان، لا في الدنيا ولا في الآخرة… فعدم الشهادتين مع القدرة، مستلزم انتفاء الإيمان القلبي التام ) ). (121)