فهرس الكتاب

الصفحة 1420 من 2255

ومن هنا يتبين لنا أن قول لا إله إلا الله هو إنشاء للالتزام بقول القلب وعمله وتحقيقهما… وكذلك كان أجهل الناس بالتوحيد من يظن أن المطلوب بقول لا إله إلا الله هو التلفظ بها باللسان فقط.

والحقيقة أن أعمال الإنسان الظاهرة على اللسان أو الجوارح، لابد أن تكون تعبيرًا عما في القلب وتحقيقًا له، ومظهرًا لإرادته، وإلا كان صاحبه منافقًا النفاق الشرعي أو العرفي… ولذلك يتفاوت قائلو هذه الكلمة تفاوتًا عظيمًا بحسب تفاوت ما في قلوبهم من التوحيد. (122)

فكل المسلمين يقولون: لا إله إلا الله، ولكن التفاوت بينهم كبير، حسب ما في قلوبهم.

يقول ابن القيم رحمه الله: (( اعلم أن أشعة لا إله إلا الله تبدد من ضباب الذنوب وغيومها بقدر قوة ذلك الشعاع وضعفه، فلها نور، وتفاوت أهلها في ذلك النور - قوة وضعفًا - لا يحصيه إلا الله تعالى… ولهذا تظهر الأنوار يوم القيامة بأيمانهم وبين أيديهم، على هذا المقدار، بحسب ما في قلوبهم من نور هذه الكلمة، علمًا وعملًا ومعرفة وحالًا… ) ) (123)

وليس التوحيد مجرد إقرار العبد بأنه لا خالق إلا الله، وأن الله رب كل شيء ومليكه، كما كان عبّاد الأصنام مقرّين بذلك وهم مشركون، بل إن التوحيد يتضمن - من محبة الله والخضوع له، والذل له، وكمال الانقياد لطاعته، وإخلاص العبادة له.. بجميع الأقوال والأعمال - بما يحول بين صاحبه وبين الأسباب الداعية إلى المعاصي والإصرار عليها، ومن عرف هذا عرف قول النبي صلى الله عليه وسلم: (( إن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله ) ).

وقوله صلى الله عليه وسلم: (( لا يدخل النار من قال لا إله إلا الله ) ).

وما جاء في هذا الضرب من الأحاديث التي أشكلت على كثير من الناس، وأوقعتهم في تأويلات مستكرهة بعيدًا عن تحقيق مدلولها، وإلا فإن المنافقين يقولون: (( لا إله إلا الله ) )بألسنتهم وهم في الدرك الأسفل من النار تحت الجاحدين لها، فلابد من قول القلب وقول اللسان.

فمن قالها بلسانه غافلًا عن معناها، معرضًا عن تدبرها، ولم يواطئ قلبه لسانه، ولا عرف قدرها وحقيقتها، راجيًا مع ذلك ثوابها حطت من خطاياه بحسب ما في قلبه، فإن الأعمال لا تتفاضل بصورها وعددها وإنما تتفاضل بتفاضل ما في القلوب، فتكون صورة العملين واحدة، وبينهما في التفاضل كما بين السماء والأرض، والرجلان يكون مقامهما في الصف واحدًا وبين صلاتيهما كما بين السماء والأرض. (124)

والقلب ليس ملك الأعضاء فحسب بل هو مصدر توجيهها، وأساس خيرها أو شرها قال صلى الله عليه وسلم: (( ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب ) ). ويقول أيضًا صلى الله عليه وسلم كما روى الإمام أحمد في مسنده: (( الإسلام علانية والإيمان في القلب، وأشار إلى صدره ثلاث مرات قائلًا: التقوى ها هنا، التقوى ها هنا ) ). (125)

فهذه النصوص تدل على أن القلب هو الأصل وأن إيمانه هو جزء الإيمان الأساسي الذي يقوم عليه الجزء الظاهر ويتفرع منه، ومن هنا لم يسمّ المنافق مؤمنًا قط، وإن كثر عمل جوارحه بالجهاد والصلاة.

ومن أفسد الأصول التي بناها المرجئة على هذا الاعتقاد - أي انحصار الإيمان في التصديق القلبي وحده - أنهم حصروا الكفر في التكذيب القلبي أيضًا، حتى أنهم لم يعتبروا الأعمال الكفرية الصريحة كالسجود للصنم، وإهانة المصاحف وسب الرسول صلى الله عليه وسلم ، إلا دلالات على انتفاء التصديق القلبي وليست مكفرة بذاتها. (126)

وكان لهذه العقيدة آثار عميقة المدى على الأمة، بل هي في عصرنا هذا أساس الضلال، والتخبط الواقع في مسألة التكفير ومنها نشأ التوسع في استخدام (شرط الاستحلال) حتى اشترطوه في أعمال الكفر الصريحة، كإهانة المصحف، وسب الرسول، وإلغاء شريعة الله، فقالوا: لا يكفر فاعلها إلا إذا كان مستحلًا بقلبه!!

واشترط بعضهم مساءلة المرتد قبل الحكم عليه، فإن أقرّ أنه يعتقد أنّ فعله كُفْرٌ كُفِّرَ، وإن قال إنه مصدق بقلبه، ويعتقد أن الإسلام أفضل مما هو عليه من الردة فلم يكفّروه.

فأصل القضية كلها هو عدم إدراك العلاقة بين عمل القلب وعمل الجوارح. (127)

3-إثبات عمل القلب: (128)

لقد أنكر المرجئة دخول أعمال القلب في الإيمان - ما عدا التصديق القلبي - رغم ورود آيات كثيرة تبين أعمال القلب وأهميتها في الإيمان، وحسبنا أن نورد هنا ما يتجلى به صحة مذهب أهل السنة والجماعة، وبيان شذوذ فكر المرجئة، الذي لم يكن مصدره في التلقي الكتاب والسنة.

وسوف نستعرض فيما يأتي بعض أعمال القلب مقرونة بما يدل عليها من الآيات القرآنية، فمنها ما هو في حق المؤمنين ومنها ما جاء في حق الكفار دالًا على أمور سوى التكذيب - الذي لم يقر المرجئة بغيره - ومن ذلك:

الوجل: قال تعالى: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } [الأنفال:2] .

والإخبات: قال تعالى: { وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ } [الحج:54] .

والإنابة:قال تعالى: { مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ } [ق:33] .

والطمأنينة: قال تعالى: { أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ } [الرعد:28] .

ومن ذلك التقوى والانشراح والسكينة، واللين والخشوع والهداية والتدبر { أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا } [محمد:24] .

والرضا والتسليم: قال تعالى: { فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } [النساء:65] .

ومما ورد مسندًا إلى القلب غير المؤمن:

الإنكار: { لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ } [النحل:22] .

والكبر: { إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ } [غافر:56] .

ومن ذلك الاشمئزاز والريب والزيغ: { فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ } [الصف:5] .

والعمى: { فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ } [الحج:46] .

ومثلها الران والعداوة للحق وأهله.

وهنالك آيات كثيرة في أعمال القلوب، مما يشير إلى الخوف والرجاء والتوكل والاستعانة والرضا، وإن لم يذكر فيها لفظها.

ورغم هذا الوضوح في أعمال القلوب فقد ضل فيها ثلاث طوائف خلال امتداد ظاهرة الإرجاء الزمني. من هؤلاء:

الطوائف الضالة في أعمال القلوب:

المتكلمون:

وهؤلاء أهملوا أعمال القلوب كلية جاعلين الإيمان قضية عقلية بحتة، ولم يثبتوا من أعمال القلب سوى التصديق الخبري الذي هو في الحقيقة أشبه بالعمل الذهني الخالص - وإن نسبوه للقلب - وأصل هذا المذهب هو ذلك المبتدع الضال (الجهم بن صفوان) .

ومن المؤسف أن أكثرية متكلمي الأمة، اعتنقوا هذا المذهب مع اتفاق أئمة السلف المعاصرين لنشأته على تكفير جهم وأصحابه، واعتبار الجهمية فرقة خارجة عن فرق أهل القبلة الثلاث والسبعين. (129)

أما غلاة المتصوفة:

فقد كان ضلالهم في أعمال القلوب من نوع آخر، إذ أن القوم مع اهتمامهم الشديد بها، وتسميتها أحوالًا ومقامات، ورغم تفصيل دقائقها فإن الابتداع أوقعهم في تناقضات أخرجت طائفة منهم عن الدين كله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت