فهرس الكتاب

الصفحة 2031 من 2255

أصبح من البدهيات أن القادة السياسيين في الغرب يعتقدون أن الإسلام ـ الذي يصفونه بالرادِكالي ـ هو الآن العدو الأول والخطر الأكبر على الحضارة الغربية بعد سقوط الشيوعية. لقد كان الاتحاد السوفيتي مضاهيا للغرب في تقدمه العلمي والتقني وما ترتب على ذلك من قوة مادية، وكان في مبادئه وأيدلجياته ومؤسسيه امتدادا للفكر الغربي نفسه. أما المسلمون فماالخطر الذي يمثلونه على الحضارة الغربية وهم اليوم أكثر ما يكونون تخلفا في تلك العلوم والتقنيات بالنسبة للغرب، إذ أنهم لا يكادون يملكون من القوة المادية شيئا بينما تملك دولة كالولايات المتحدة من أسلحة الدمار الشامل ما يمكنها ـ حسب زعمهما ـ من تحطيم الكرة الأرضية كلها عدة مرات؟

فما الخطر الذي يمثله الإسلام إذن؟ أهو الإرهاب؟ لكن الجماعات الإسلامية التي تسمى بالإرهابية مهما ألحقت بالبلاد الغربية من أضرار فإنها أضرار محدودة لأنها لا تملك هي الأخرى من القوة ما يمكنها من هزيمة الدول الغربية أو حتى إضعافها؟

إن تصرفات الساسة الغربيين، ولا سيما الأمريكان منهم والبريطانيين، تدل على أنهم لا يحصرون الخطر الإسلامي على حضارتهم في ما يسمونه بالإرهاب، بل يجعلونه في الدين الإسلامي نفسه. ولهذا صاروا يصفون حربهم على الإسلام بأنها حرب قيم وأنها معركة لكسب القلوب والعقول. إنها معركة لأن الإسلام رغم ضعف أهله المادي هو كما يقولون أكثر الأديان انتشارا في بلادهم. لكننا مرة أخرى نتساءل: ما الخطر في هذا على الحضارة الغربية؟ إذا كانت هذه الحضارة قد قبلت النصرانية واليهودية وهما دينان شرقيان، وإذا كانت قد استفادت في تاريخها من نتاج الفكر الإسلامي في مجالات الدين والفلسفة والعلوم، وإذا كانت قد قبلت العلمانية بل والإلحاد وغير ذلك من أنواع الأيدلجيات، فما الذي يمنعها من أن تقبل الإسلام إذا كان هذا هو ما اختاره بعض أهلها لأنفسهم طوعا لا كرها؟

إنه لا إجابة عن هذا السؤال الصعب إلا القول بأن الأمم الغربية رغم تعددها وتفاوتها ورغم تعدد مكونات حضارتها وتنافرها إلا أن فيها فكرا يمثل غالبيتها ويشيع بينها، ويؤثر في تصرفاتها، وأنه هو الذي يحدد موقفها من غيرها من المعتقدات والقيم ولا سيما الإسلامي منها.

لكن هذا ليس بالشيء الغريب ولا الخاص بالحضارة الغربية وأممها، بل هو سنة اجتماعية عامة قررها كتاب ربنا الذي نقرأ فيه:

وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (الأنعام:108)

فكل أمة صغيرة كانت أم كبيرة لها أعمال تراها حسنة سواء كانت هذه الأعمال في نفسها صالحة أو كانت فاسدة. لا حظ أن الآية الكريمة تحدثت عن تزيين العمل لا عن الاعتقاد مع أن العمل تابع للاعتقاد. ربما لأن المقصود هو الاعتقاد الذي يؤثر في العمل ويوجهه لا الذي يدعيه الناس بألسنتهم.

في القرآن الكريم تفاصيل أخرى عن هذه السنة الاجتماعية:

منها أن ذلك العمل المزين هو الذي يجمع الأفراد وينشئ بينهم ودا يجعل منهم أمة معينة:

وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (العنكبوت:25)

قال ابن كثير:

إنما اتخذتم هذه لتجتمعوا على عبادتها في الدنيا صداقة وألفة منكم بعضكم لبعض في الحياة الدنيا. وهذا على قراءة من نصب (مودة بينكم) على أنه مفعول له. وأما على قراءة الرفع فمعناه: إنما اتخاذكم هذا يحصل لكم المودة في الدنيا فقط، ثم يوم القيامة ينعكس الأمر فتبقى هذه الصداقة والمودة بغضة وشنآنا.

ومنها أن الأمة إنما تتخذ مواقفها من غيرها بحسب قربه أو بعده من هذا العمل المزين الذي يجمع بينها، فهي لا تتحمل ولا تتسامح مع من يخالفها فيه مخالفة كاملة ويعترض عليها، وإن كان من أبناء وطنها.

وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (البقرة:120)

قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (الأعراف:88)

وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (الأعراف:82)

وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (الأنفال:30)

ومنها أنه قد تشذ جماعة من الأمة فترى ما لا ترى غالبيتها:

وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آَمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (الأعراف:87)

وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (غافر:28)

ومنها أن العاقبة تكون لمن كان على الحق إما بغلبتهم علي أعدائهم، وإما بانتقام الله تعالى من أولئك الأعداء كما نرى ذلك في قصص كل الأنبياء مع أقوامهم المعادين لهم.

ما العمل الذي زُينَ للغربيين؟

نعود بعد تقريرنا لهذه السنن الاجتماعية التي فصلها لنا كتاب ربنا إلى سؤالنا الذي بدأنا به: ما العمل الذي زينه الله تعالى للأمم الغربية والذي هو سبب عدائها للإسلام وأهله؟

إنك لا تجد جوابا واضحا عن هذا السؤال في ما يسمى بالنظريات أو الفلسفات أو الأيدلجيات السياسية الغربية. فالغرب ليس من حيث هذه النظريات أو الفلسفات أو الأيدلجيات أمة واحدة وإنما هو أمم مختلفة ودول حدثت بينها حروب وتفرقت أحزابا وجماعات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت