فهرس الكتاب

الصفحة 2193 من 2255

إن النظرة من الحافّة تظهر احتمال طرحِ مثلَ هذه الأسئلة. إن الأمر يبدأ من حقيقةِ أن معظم المسلمين خارج شبه الجزيرة العربيّة لا ينحدرون من أصول عربية... لقد تعلم معظمهم الإسلام بعد أن دخلوا في المجتمع المسلم، وليس قبل ذلك؛ وإن ما تعلّموه لم يكن أبدا يفترض سمة متجانسةً، وبالرغم من ذلك فإنه منذ القرن الرّابع عشر كانت هناك رغبة قويّة نحو التّجانس المعياريّ.""

إضافة إلى ذلك، لا يمكن لأحد أن ينكر الدور المركزيّ للعرب والفرس والأتراك في الاتجاه السّائد لتاريخ الحضارة الإسلاميّة. لكنّ لا يمكن لأحد أيضا أن يتجاهل حقيقة أن حِمْلَ الحضارة الإسلاميّة الثّقيل في القرنين الآخرين قد ألقي على كاهل العرب، وأنه منذ فترة قصيرة فقط بدأت حوافّ العالم الإسلامي وأطرافه في التجمع وإبراز بعض علامات الاحتشاد حول المركز منتظرة منه أن يجيء بمبادرة لتقوية الروابط داخل الأمة على المستوى العالميّ.

يجب على المركز أن يتحرك بسرعة أكبر

لقد كاد صبر أطراف العالم الإسلام ينفَد وهي تنتظر من المركز اتخاذ خطوة عملية، هذا إذا كان المركز مدركًا فعلًا أنه مركز العالم الإسلامي اليوم، وذلك فيما يتعلق بترجمة الثراء الروحي الفريد للإسلام الذي يمكن أن يُرَى في وحدة العقيدة، ووحدة الهدف، ووحدة العبادة، ووحدة القدر. إن أطراف العالم الإسلامي لا يمكنها أن تفهم هذا البطء في حركة المركز نحو معالجة الكثير من القضايا المعاصرة التي تقف عقبة أمام التطور الأخلاقي والسياسي والاقتصادي للأمة بأسرها. إنّه من الصعب أن تُبيِّن لأجيال الإنترنت سبب فشل المسلمين في تحديد موعد موحد ليوم عيدهم مقدّمًا؛ كما يصعب أيضا أن تبيّن للعقلانيين أن سياسة المسلمين العالميّة مازالت قائمة على أساس القاعدة القائلة بضرورة أن يخسر أحد أعضاء الأمة لكي ينجوَ عضو آخر؛ كما يصعب على النّاس المحترمين أن يؤمنوا بأن المسلمين لا يملكون استراتيجيّة للاقتصاد العالميّ يمكنهم بها تقليل الفقر وزيادة التّعلّم بين المسلمين الذين ما زالوا يعانون ــ حسب كافة المعايير ــ من هذين المرَضَيْن الاجتماعيّين أكثر من معاناة أيّة جماعة دينيّة أخرى في العالم.

البحث عن التآلف

إنني أعتقد أنّه ليس أمام المسلمين اليوم خيار دون إدراكهم أن مستقبلهم يعتمد على قدرتهم في تحقيق التآلف بين ذاكرتهم الماضية والتّاريخ المستقبليّ، مما ينجم عنه تعاون داخليّ لجميع جوانب النِّعَم الرّوحيّة الغنيّة والثمار الفكريّة، وكذلك تفاعل خارجيّ لكافة إمكانيّات تقدُّمِ الحياة البشريّة التي تقدم المعرفة البشريّة الإيجابية للفرد وللمجتمع.

احترام الذّات والثقة المتبادلة

إلى جانب ذلك، يجب على المسلمين اليوم أن يصلوا إلى نقطة احترام أنفسهم، لكي يحظوا باحترام الآخرين لهم، ويجب عليهم أن يعرفوا أن العالم اليوم يقوم على أساس الثّقة المتبادلة التي يحتاج بناؤها وقتا أكثر بكثير من الوقت اللازم لهدمها.

خمسة أمور غير مفهومة عن الإسلام في الغرب

أوّلا: القرآن الكريم ــ الناس في الغرب لا يريدون أو لا يستطيعون أن يفهموا أن القران الكريم عند كافة المسلمين الكلام المنزّل من عند الله غير قابل للتغيير والتبديل"اِنّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَمََا هُوَ بِالهَزْلِ؟."

ثانيا: الشريعة ــ الغرب لا يدرك أن الشريعة الإسلامية للمسلمين هي التشريع الديني والدنيوي في نفس الوقت. ولعل سوء الفهم للشريعة الإسلامية في الغرب يأتي بسبب سوء التجربة الغربيّة التاريخيّة مع الكنيسة الكاثولكيّة التي كانت تطبق القانون الكنيسي بدعوى أنه القانون الإلهي على طريقة سيّئة.

ثالثا؟ محمد رسول الله ــ الغرب المسيحي واليهود فيه كما يشهد ستيفان شوارتز Stephe Schwa صلى الله عليه وسلم tz:"لا يقبلون محمدا على أنه رسول أرسله الله بدين يخافون منه. اليهود ينكرون بأن عيسى - عليه السلام - هو المسيح، ولكن الكثيرين منهم يقبلونه على أنه معلم ديني كبير. وهم لا يظهرون حتى ولو نذرا يسيرا من هذا الاحترام تجاه محمد، بل على العكس من ذلك، فإن ذلك الرسول العربي يُعامَل بالسخرية والازدراء، بحيث أن اليهود يتجاهلونه والنصارى يذكرونه بالتجريح والذمّ. إن معظم الغربيين يعتبرون الإسلام عقيدة كريهة عدوانية تعصبية متعطشة للدماء، وغير المسلمين يظهرون محمدا على أنه ضالٌّ وشرس ومخادع. وبهذه الآراء المسبقة المشوهة أبدع اليهود تصورات سيئة عن المسلمين في العالم. وبنفس الأسلوب نجد النصارى المتعصبين ينشرون الأضاليل عن أن الله الذي يعبده محمد ليس نفس الإله الذي يؤمن به اليهود والنصارى".

رابعا: الجهاد ــ إنّ الغرب يفهم من كلمة الجهاد شيئا واحدا فقط: العنف والإرهاب والحرب ضد الغرب ومؤسساته السياسيّة والاقتصاديّة. ومهما يحاول بعض المسلمين أنْ يبيّنوا أنَّ لكلمة الجهاد معاني نبيلة لتربية النفس الإنسانيّة، فالغرب لا يريد أن يستمع إلى تلك البيانات، بل يردّ عليها بكلمته المشهورة ألا وهي كلمة الصليبيّة (c صلى الله عليه وسلم usade) والتي يفسّرها الغرب بأنّها تعني الحريّة والديموقراطيّة، ولكنها بالنسبة للمسلمين تعني شيئا واحدا فقط ألا وهو الحرب ضد الإسلام والمسلمين.

خامسا: وضع المرأة ــ الغرب لا يفهم أن المرأة عند المسلمين حَرَمٌ بمعنى أن لها ذاتها وشخصيتها الإنسانيتين. نعم، هناك بعض الناس من المسلمين الذين يعاملون النساء معاملة سيئة ولكن هذا ليس ناجما عن تعاليم الإسلام، بل هو بالعكس بسبب عدم تطبيقهم لتعاليم الإسلام: فالعفة، والحياء الذي هو نصف الإيمان، والحجاب والإنفاق على النساء ومعاملتهن بالمعروف، وإنقاذ البنات من الوأد (وإذا الموؤودة سئلت باي ذنب قتلت) ، كل هذا جاء مع الإسلام، حين لم يكن الغرب يُذكر وحين كانت المرأة فيه تذكر بالسوء ليلا ونهارا.

خمسة أمور غير مفهومة عن الغرب في الشرق

اوّلا: الحريّة ــ الشرق، الذي نعني به هنا العالم الإسلامي عموما، لا يرفض فكرة الحرية كمبدأ نحو التقدم البشري والتاريخي، ولكن الشرق لا يفهم الحرية على أنها اتجاه نحو الشر مثل الخمر والمخدرات والشذوذ الجنسي والإباحية وغير ذلك من الشرور الاجتماعية التي تسعى بعض الدوائر في الغرب إلى تبريرها باسم الحرية، بل إن الشرق ــ انطلاقا من القيم الشرقية السامية والعريقة ــ يفهم الحرية بمعنى"حرية اختيار الخير بدلا من أي شر".

ثانيا: الديموقراطيّة ــ الشرق ما زال يتردد في قبول النظام الديموقراطي القائم على أسس شرعية السلطة التي تبنى على حق المواطنين بالتصويت، فالشرق لا يريد أن يفهم أن الشعوب المسلمة قد بلغت درجة من النضج تمكنها من حُسن اختيار ممثليها الذين سيقودونها نحو مجتمع أصلح وعدل اجتماعي أفلح. وجدير بالذكر هنا ما أورده شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه المشهور (السياسة الشرعية) حين قال: سئل الإمام أحمد: عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو، أحدهما قويٌ فاجر، والآخر صالح ضعيف، مع أيهما يُغزى? فقال: أمّا الفاجر القويّ، فقوّته للمسلمين، و فجوره على نفسه، و أمّا الصالح الضعيف، فصلاحه لنفسه، وضعفه على المسلمين، فيُغزى مع القويّ الفاجر (ص: 17) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت