فهرس الكتاب

الصفحة 2192 من 2255

أظنني غير مضطرٍ للتذكير بأن الحقبة العظيمة للحضارة الإسلاميّة كانت في الوقت الذي تفاعلت فيه تلك الحضارة مع الحضارات الأخرى. إن فكرة العزلة غريبة على الحضارة الإسلاميّة، لأنّ النبيّ محمدا - صلى الله عليه وسلم - أُرْسِلَ إلى الناس كافّة، ولذلك فهو الشّاهد على العالم كله من حيث إنه جلب إليه الرّحمة بَدَلَ الشقاء (وما أرسلناك إلاّ رحمةً للعالمين) .

فمن الواضح إذن، أنّ المسلمين في الماضي كانوا قد عرفوا كيف يتفاعلون مع الآخرين، الذين كانوا يشبهونهم ويختلفون عنهم في معتقداتهم وفي توقعاتهم من الحياة والتاريخ. لقد كان المسلمون يهتدون بالإيمان القويّ (بالتصديق) بدلًا من (التكفير) والإدانة، وبالإيمان (بالمشاركة والمساهمة) بدلًا من الإيمان (بالتفرد) . إضافة إلى ذلك، فقد عرف المسلمون كيف يقدّرون التجارب المختلفة داخل صفوفهم، واضعين نصب أعينهم الطريق الواحد نحو مجد الحضارة الإسلاميّة باعتبارها إنجازا مشتركا للأمة كلها.

توازن الذكريات

بما أننا لسنا أبناء اللحظة، فيجب علينا أن نكون قادرين على خلق التوازن بين ذكرى الماضي الفائت، وذكرى المستقبل القادم. وأنا أرى أنّ صعوبة حاضر المسلمين تكمن في عدم قدرتهم على خلق هذا التوازن بين ذكرى الماضي الفائت وذكرى المستقبل القادم. وبعبارة أخرى، يجد المسلمون، من جهة أولى، صعوبة في تحرير أنفسهم من الشعور بالذنب بسبب بعض الأحداث التّاريخيّة السّابقة، وفي مواجهة تحديات المستقبل بروحانيّة نضرة وعقلانية مبدعة، من جهة ثانية.

إننا ولدنا أحرارًا

هل يجب علي أن أُذَكِّر أن فكرة أصل الإنسان الخالي من عقدة الذّنب؟ البراءة) هي إحدى أهمّ أفكار ما يسمّى بالعصريّة، والتي قادت العالم نحو تحقيق التقدّم الفكريّ والروحيّ، أي إلى الإنسانيّة والنهضة? إن الشعار القائل:"نحن وُلِدْنَا جميعًا أحرارا، والناس كلهم سواسية أمام اللّه"، يمثل ردّ فعلٍ على فكرة أن الناس جميعا يولدون وهم يحملون على كاهلهم وزر خطأ أبيهم آدم، وأنّ بعضهم يولدون أسيادا، بينما يولد بعضهم الآخر عبيدا. لقد احتاجت أوروبا قرونا طويلة، وخاضت حروبا دموية كثيرة لكي تتغلب على هاتين الفكرتين العامّتين: فكرة الذّنب المحتوم، وفكرة العبوديّة المقدّرة.

إنني أعتقد أن أحد أسباب تقدم العالم الإسلامي على باقي أجزاء العالم يكمن في حقيقة أن الإسلام قد حرّر البشريّة من عقدة الذنب، ورسخ مبدأ تساوي الفرص للجميع لِيُظهروا جدارتهم التّاريخيّة.

القلق الثقافي

إن الأزمة الحاليّة للحضارة الإسلاميّة قد تُرَى في نقص الثّقة بالنّفس الذي جاء نتيجةً للقلق الثّقافيّ الذي ترافق مع زمن فقدان الإيمان بالتحرر من الذّنب والإيمان بتساوي فرص النجاح في الحياة والتاريخ. وبالتّالي، فإن أجيالا متلاحقة من المسلمين فقدوا الجرأة الرّوحيّة والإبداع الفكريّ. وبدلًا من ذلك فإننا نرى عندهم نوعا من الخجل الرّوحيّ الذي يقود الحضارة الإسلاميّة نحو العزلة، كما نرى اقتباسا فكريّا يوشك أن يفضي بالحضارة الإسلاميّة إلى الذوبان والانصهار.

وهنا تكمن الإجابة الممكنة عن السّؤال: هل ستمضي عجلة الحضارة الإسلاميّة قُدُما? أو هل يجب لها الانطلاق من هنا? هل ستسير نحو العزلة أو الذوبان والانصهار? أم أنها ستسير نحو التّفاعل والتّعاون?

ليس العزلة أو الانصهار والذوبان، بل التعاون الحضاري

إن الحضارة الإسلاميّة لم تُصْنَع للعزلة أو للانصهار والذوبان، بل إنها صُنِعَت للتّفاعل والتّعاون. ولكي تمضي الحضارة الإسلامية في هذا الاتّجاه، ينبغي لها أن ترفض فكرة الذّنب التّاريخيّ. لقد فُرِض في هذه الأيّام على المسلمين الإحساسُ بوجوب أن يقوم الجيل الحاليّ من الشباب بتصحيح كافة أخطاء الأجيال السّابقة، قبل أن يفكّر في تصحيح المستقبل القريب والبعيد للأمة.

بعبارة أخرى، ينبغي للجيل المعاصر أن يتمسّك تمسكًا قويًا بالإيمان بالتحرر من أخطاء الماضي، وبذلك يتحمل المسؤوليّة عن مستقبل العالم، ليس بالسير على طريق الانعزال أو الانصهار والذوبان، وإنما بالسير على طريق التّفاعل الثّقافيّ المتساوي والتعاون الحضاري. إن الأرضية المتوسطة للتفاعل التّاريخيّ والتّعاون العقلاني، هي الطريق الصحيح للحضارة الإسلامية كي تخرج من ضيق العزلة وخطر الانصهار.

آن أوان التفاعل الثالث

بعد أن جرّبت الحضارة الإسلامية التّفاعل في صدر الإسلام، ومن ثم في زمن التأثير الإسلاميّ العظيم في التغيير الفكريّ والرّوحيّ في الغرب. فقد آن الأوان لها للتفاعل التّاريخيّ الثّالث مع باقي العالم، ولا سيما مع العالم الغربيّ. ولكن الوضع اليوم يختلف نوعًا ما عن سابقيه، لأنّ الغرب لا يشعر بالحاجة لتعلّم أي شيء من الشّرق، كما اعتاد أن يكون حاله في السابق.

بل على العكس من ذلك، فإن الغرب يعتقد بوجوب أن يقلِّدَهُ الشّرق في كل الأمور، حتّى في السلوك الأخلاقيّ الغريب، والمخالف للحشمة الإنسانيّة والإنتاج (التناسل) الإنساني. ولكن ينبغي ألا يثني هذا الوضع عزيمة المسلمين عن التّفاعل مع الغرب، بسبب ما يوجد من اتكال متبادل ودّائم بين العالَمين - الشّرق والغرب ــ ذلك الاتكال الذي لم يبدأ بالأمس، ولن ينتهي في الغد.

دعني الآن أطرح السؤال الثّاني: بأي سرعة سوف تنطلق عجلة الحضارة الإسلاميّة? هل بسرعة مركزها? أم بسرعة حافتها?

المركز والحافة

لكن، وقبل كل شيء، هل يوجد مركز للإسلام ? نعم، هناك مركز للإسلام، ولكنّه ليس مركزا جغرافيّا متماسكا، أو منتَجا اقتصاديا، أو تأثيرا سياسيا على التطور العالمي، بقدر ما هو هوية عالمية، وتوجّه في الزمان والمكان نحو الكعبة؟ قبلة المسلمين؟ وتضامن بين عامة المسلمين في مختلف أرجاء العالم يقوم على الإيمان. وستبقى هذه الميزات المعنوية لفكرة مركز الإسلام قويّةً لأنّ رسالة القرآن قويّة في شموليتها ومصداقيّتها في إنقاذ البشرية.

إذن، فالعبرة هنا، ليست في النِعَمِ الواضحة التي تجود بها السماء، بل في حسن أو سوء استخدام البشر لتلك النعم. فكما يقول ريشارد بولييه (Richa صلى الله عليه وسلم d Buliet) :

؟ لا يمكن لأحد أن ينكر عصر السعادة في عهد النّبيّ محمد - صلى الله عليه وسلم -، ولا يمكن لأحد أن ينكر أمجاد الخلافة، أو عَظَمَةَ العثمانيين، أو التأثير التحويلي لأوروبّا الحديثة...وإن الخلفاء والسّلاطين ــ أو على الأقلّ بعضهم - يستحقّون تلك الشهرة المنسوبة إليهم... وفوق كلّ شيء، فإن سيرة رسول الله محمد - صلى الله عليه وسلم - والرعيل الأول من الصحابة والتابعين كانت العامل الأساسي في تحديد الهويّة الإسلاميّة على مدى أربعة عشر قرنا"."

ويواصل قائلا:

إن النظر من المركز يطرح أسئلة كثيرة جدًّا لا أجوبة عنها. من أين كلّ هؤلاء المسلمين? لماذا نجحوا في تطوير مثل هذه الثقافة أو الحضارة المترابطة، بينما كانت أوروبّا ــ رغم تجانسها المسيحيّ ــ متفككة ومختلفة إلى هذا الحد الكبير?

إن النظرة من المركز تبدي التاريخ الإسلاميّ وكأنه ينمو من نواة واحدة، أو من بقعة حبر منتشرة في جميع الاتجاهات وعليها بطاقة ــ الخلافةـ. لكنّ ما هو الشيء - عدا هذه البطاقة السياسية - الذي يجعل الإسلام مجتمعا? ولماذا تماسكه السّياسيّ الذي تبخر بعد قرنين من الزمان لا يعود من جديد?

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت