إن وصف الحضارة"بالإسلاميّة"ينبغي أن يقودنا إلى مفهوم التعايش بين الاستمرارية والتّغيير في كل من التّاريخ والحياة. وأنا أعتقد أن هذا التعايش يمثل النّقطة الحاسمة التي حددت مسار الحضارة الإسلاميّة في الماضي، أي قدرتها على فهم الاستمرارية الضرورية للتراث، مع إمكانية تغيير التاريخ. وهو على ما أرى - في هذا التّحدّي المستمر والمتمثل بتثمين استمرارية التراث وقبول التغييرات في التّاريخ - اختبار حقيقيّ لمستقبل الحضارة الإسلاميّة، سواء في ثباتها الرّوحيّ أو في إبداعها الفكريّ. وفي الحقيقة، فإن فكرة التعايش بين الاستمرارية والتّغيير هي الفكرة الرّئيسيّة التي مكنت الحضارة الإسلاميّة من تحقيق ذلك النجاح غير المسبوق في تاريخ العالم. وتكمن قوّة هذه الفكرة في مفهومَيّ إيجابية التّاريخ (التصديق) ، ونشأة الإنسان الخالي من الذّنب (البراءة) .
التّاريخ الإيجابي (تصديق لا تجديد)
إن التاريخ الإيجابي يمثل أكثر البراهين حجة على أن القرآن الكريم يمثل ذروة الرسالة الإلهية الشاملة، وأن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - هو رسول الله للعالمين. وبعبارة أخرى، فإن القرآن لم يأت فجأة، ولم ينكر ما سبقه من أحكام تجلب الخير لبني البشر، ولم يبدأ رسالته من الصفر:
وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ موسى إِمَامًا ورَحْمَةً وهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانَا عَرَبِيَّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وبُشْرَى للمُحْسِنيِن.(الأحقاف: 12 الَم. اللهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ. نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا َبيْنَ يَدَيْهِ وأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ والإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الفُرْقَانَ. آل عمران 1- 3.
إذن، فالنبيّ محمد - صلى الله عليه وسلم - ليس أول الرسل، وإنما خاتم أنبياء الله ورسله. والتاريخ لم يبدأ برسالة محمد - صلى الله عليه وسلم -، ولم ينته التاريخ بموته: وَ مَا مُحَمَّدٌ إلاَّ َرسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهُ الرُسُلُ أفَإنْ مَاتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلىَ أعْقَابِكُمْ)آل عمران 144.
كما أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - لم يكن ثوريًّا متمرّدًا يلغي كل شيء جاء قبله. إن اللّه - سبحانه وتعالى - أرسل محمدًا - صلى الله عليه وسلم - رسولا، (مصدّقا لما بين يديه) ، أي مؤكدا على كلّ الأمور الصحيحة التي سبقته، وكذلك أرسله الله - تعالى -لتعليم الناس كيف يتجنبون الأمور السّيّئة في الحياة و التّاريخ، والتي خَبِرَتْها القرون الأولى من الشعوب والأمم.
"كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَاِلَيْهِ مَتَابِ"الرعد: 30.
التاريخ الشامل:
لقد أثرى مفهوم التّاريخ الشامل المسلمين بفكرة الأسلوب الشّامل في التعامل مع التّاريخ كوحدة متكاملة، وتبعا لذلك، فقد حرّر هذا المفهومُ التّاريخَ الإسلاميَّ من أن تستأثر به فئة واحدة. إنه من الطبيعي للمسلمين أن يضطلعوا بدورهم الهامّ كورَثة للتّاريخ بجدية كبيرة، لكنهم وهم يؤدون هذا الدورَ لم ينكروا دور الآخرين أبدًا، ولا سيما دور أهلِ الكتاب، من اليهود والنصارى.
القرآن الكريم والنقد:
لا بد للمسلم، أثناء تلاوته للقرآن الكريم، من أن يُحِس بوجود أهل الكتاب في كلّ صفحة منه تقريبا. كما أنّ اليهود والنصارى لا يمكنهم أن يقرؤوا أيّ كتاب ذي قيمة عن تاريخ العالم، دون أن يتعرفوا على وجود المسلمين في كافة ميادين الحياة البشريّة.
ومن المؤكد أن القرآن ينتقد بعض اليهود والنصارى، ولكنّه يفعل نفس الشيء مع بعض المسلمين أيضًا. وباعتقادي، فإن المسؤوليّة الأخلاقيّة تفرض على المسلمين عدم اتخاذ نقد القرآن الكريم للآخرين وسيلة لتغطية عيوب المسلمين أنفسِهم، وبما أنّ القرآن الكريم، بصفته كلام اللّه - تعالى -، فريد في تقدير وتثمين صلاح أتباع الدّيانات الأخرى، ولا سيما اليهود والنصارى، فيجب على المسلمين أن يطبقوا روح التسامح في وسطٍ من تعدّد الأديان، وما أكثر ما أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى، فيقول الله - عز وجل:"إِنَّ الّذيِنَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنوُنَ"البقرة 62.
التعدّد الدّينيّ:
إنه من السذاجة بمكان أن يحكم أحدنا بعدم وجود اختلافات بين الإسلام والدّيانات الأخرى، ولا سيما اليهوديّة والنصرانية. وليس المقصود هنا فكرةً غامضةً عن الإطراء والتملُّق الهزيل، أو الدّعاية الدّينيّة الرّخيصة، بل إن المقصودَ هو قناعةٌ صادقة تقوم على أساس أهمّ مصدرٍ إسلاميٍّ يعلّم المسلمين كيفية التصرف مع التّعدّديّة الدّينيّة من جهة، وكيف يقدِّرون حقيقة أن هذا العالم غير مكوّن من دين واحد أو أمة واحدة فقط، لأنّه لو أراد اللّه - سبحانه وتعالى - للعالم أن يكون كذلك لفعل، ولكن قضت إرادته وحكمته أن يكون البشر في هذا العالم متعددين في دياناتهم وأممهم، فيتنافسون فيما بينهم في فعل الخير.
التنافس في فعل الخير:
إن فكرة التنافس في فعل الخير، تتعلق بشكل خاصّ، بهذه الدّيانات السماوية الثّلاث: اليهوديّة، والمسيحيّة والإسلام، وسبب ذلك لا يعود فقط إلى تراثهم السماوي المتشابه، بل يعود أيضًا إلى تراثهم في التفاعل التاريخيّ الفريد الذي لا يمكن التغاضي عنه فيما مضى، وفي مسؤوليّتهم التّاريخيّة التي لا يمكن تَجَاهُلها في المستقبل. وبالرغم من أنني أرى الأمل معقودا على عدم إمكانية إغفال الدور التّاريخيّ لليهوديّة والمسيحيّة والإسلام، لكنّني أيضًا، أشعر بنوع من الخوف. وبالرغم من صمت الإحسان في أغلب الأحيان، فإن أملي يستند إلى طيبة القلب عند الغالبية المخلصة من اليهود والنصارى والمسلمين، الذين يبحثون عن سلامتهم في هذا التشابه الدّيني بدلًا من النزاع.
التّشابه والاختلافات
من المؤسف كثيرا، أن نجد بين أبناء هذه الديانات الثلاث أقلّيّة عالية الصوت جدًّا ترى في تشابه اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام سّببا وجيها جدا لإثارة النّزاعات بدلًا من السّلام. وغالبا ما يقودنا هذا الموقف إلى استنتاج أنّ التّشابه يثير النّزاع، بينما يجلب الاختلافُ الاحترامَ المتبادل. وليس غريبا علينا تاريخ النقاش الحاد بين المجموعات الدينية المتشابهة، ذلك النقاش الذي كثيرًا ما تحوّل إلى نزاع شديد العنف. وما تزال في مخيلتي صور بعض النزاعات التاريخية بين السنّة والشّيعة داخل الدّين الإسلامي، والنّزاعات بين الكاثوليك والبروتستانت في المسيحية، وأنا متأكّد من وجود أمثلة كهذه في اليهوديّة أيضًا.
إن منطق النّزاع بين المتشابهين، مهما كان شكله، يكمن في المفهوم الخاطئ القائل: لكي أحافظ على نقاء ديني، فلا بد من إبراز الاختلاف العميق عند الآخر ممن يشبهني، لكن وفي نفس الوقت، فإن اختلافه معي أمر لا يمكن التسامح معه. وفي رأيي، فإن المسألة الحقيقيّة للعلاقة بين اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام تتمثل اليوم في تشابه جذورهم الروحية، لا في اختلافها، وفي أملهم لا في خوف بعضهم من بعض، وفي حبّهم لا في كره بعضهم بعضا، وفي عدلهم بين بعضهم البعض لا في ظلم بعضهم بعضا.
التّفاعل الثقافيّ: