وهذه المنظومة بعناصرها الثلاثة تحتاج - لكي تبقى فاعلة ومؤثرة - إلى أن تتوازن النسب بينها ، ويعطى كل عنصر قدره في المرحلة التاريخية
(1) انظر مالك بن نبي شروط النهضة ، فصل التراب
(2) انظر بتصرف مالك بن نبي: ميلاد المجتمع
التي تمر بها الحضارة . . . ولا تسقط الحضارات لأنها خلو من هذه العناصر ، بل إنما تسقط الحضارات عندما تطغى نسبة عنصر على عنصر ، فعندما يعبد الإنسان الفرد ، ويصبح هو الهدف ، وتصاغ الحياة - بوسائلها وأهدافها - من أجل استمتاعه يقع الخلل ، وأيضا عندما يطغى الفكر ويذوب الإنسان فيه على حساب ( الإنسان ) أو ( الأشياء ) فيترك العمل ، ويصبح الفكر لمجرد الفكر ، ويريد بعضهم أن يصوم فلا يفطر ، ويقوم آخر فلا ينام ، ويترهبن ثالث فلا يتزوج (1) . هنا يطغى تألق ( الفكرة وتهدد الحياة بالخلل ، ويجب تقويم الميزان ، وتحقيق العدل بين العناصر .
ومن الغريب أن أحد المفكرين المعروفين أنشأ كتابا أسماه ( التفسير القرآني للتاريخ ) (2) . ومع ذلك فإنه لم يتكلم في كتابه هذا إلا عن عنصر واحد هو ( الأشياء ) فتحدث - فقط - عن الجوانب المادية من أرض واقتصاد وثروة وعمل ورأسمال وتنظيم وتخطيط وسياسة زراعية وتجارة وادخار واستثمار وموضوعات فرعية تتصل بها ، فإذا علمنا أن هذا المفكر هو الدكتور راشد البداوي ، الذي ترجم ( رأس المال ) لكارل ماركس إلى العربية ، فضلا عن كتب أخرى تدور كلها حول ( الاقتصاد ) ، والمذاهب الاشتراكية ، والقاموس الاقتصادي .
إذا علمنا هذا أدركنا - مع أنا قد نبرئ الرجل من الفكر الاشتراكي العلمي - كم يضيع ( الإنسان ) ويضيع ( الفكر والمعتقد ) وتطغى ( الأشياء ) في الفقه الحضاري حتى لدى مفكرين من أمثال هذا المفكر !!
إن الحديث عن الآيات القرآنية التي تحث على الزراعة أو التجارة أو الصناعة إنما هو حديث في التفصيلات والتطبيقات والثمار
(1) إشارة إلى الحديث الشريف المعروف
(2) للدكتور راشد البداوي ، نشر دار النهضة العربية القاهرة ط2 \ 1976
الحضارية . لكن عناصر إبداع الحضارة ليست هي هذه ( الماديات ) التي تنشأ تلقائيا وتزدهر في الطور الثاني للحضارة ، حيث تتجاوز الحضارة مرحلة الميلاد والتكون ، وتزيح كل أخطار الميلاد ، وتقف على أقدامها فتية قوية ، وتبدأ في إفراز بعض قوتها من خلال عدد من المجالات الاقتصادية والمادية:
وعند توافر عنصر الانطلاق لأمة من الأمم في طريق التحضر ، حتى ولو كانت الأمة ذات سابقة حضارية فإن عليها أن تهتم بتوفير العناصر الثلاثة الأساسية - محافظة على الترتيب والنسب- حتى تضع قطارها أولا فوق القضبان الصحيحة .
قال الله تعالى في الآية الكريمة: { مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } (1) ففي الآية يوجد ( الإنسان ) الذي ( يعمل صالحا ) وهو مؤمن ( بالعقيدة والفكرة ) . فمثل هذا الإنسان العامل ( كل عمل صالح مادي أو عقلي أو روحي ) عن إيمان ومنهج وفكر ، وهو الإنسان الذي يستطيع أن يصل إلى الحياة الطينية اللائقة بالإنسان ، ولقد تحدث الله في كتابه المنزل عبر مئات الآيات ، كما تحدثت السنة الشريفة عن تفصيلات العناصر الثلاثة وكيفية الوصول إلى الوضع الصحيح لكل منها .
(1) سورة النحل الآية 97
الإنسان في القرآن:
أما العنصر الأول وهو ( الإنسان ) فقد حظي بكثير من الاهتمام من القرآن ومن سنة الرسول الفعلية ( بخاصة ) حيث عاش الرسول جزءا كبيرا من فترة رسالته يبني هذا الإنسان ، ويصنعه في مكة ، ثم في المدينة ، حتى تكون أفضل جيل عرفته البشرية على الإطلاق .
ويبين الله في كتابه الوظيفة الحضارية المنوطة بالإنسان على الأرض
فيقول: { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً } (1) . ويقول: { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } (2) . إن هذا الإنسان المخلوق من: { مَاءٍ دَافِقٍ } (3) { يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ } (4) هو الإنسان الذي كرمه الله واختاره لصناعة الحضارة: { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا } (5) إنه هو نفسه الذي سجدت له الملائكة: { وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ } (6) . وهو الذي تعلم الأسماء كلها: { وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } (7) وهو الحر الذي يختار طريقه بإرداته: { وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ } (8) { وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا } (9) .
على أن الإنسان بالرغم من كل هذه المكانة التي أعطاها له الله تعالى ، ومن كل الأسلحة التي زوده بها - لن يستطيع الإسهام الصحيح في فعل إيجابي وخالد إلا إذا حافظ على عبوديته لله والالتزام بمنهجه: { لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } (10) فإذا ارتكس وسار في طريق الانحراف والضلال فإنه يهبط إلى أسفل سافلين: { ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ } (11) . ومن هنا نفهم من كتاب الله تعالى أن
(1) سورة البقرة الآية 30
(2) سورة النور الآية 55
(3) سورة الطارق الآية 6
(4) سورة الطارق الآية 7
(5) سورة الإسراء الآية 70
(6) سورة البقرة الآية 34
(7) سورة البقرة الآية 31
(8) سورة البلد الآية 10
(9) سورة البقرة الآية 148
(10) سورة التين الآية 4
(11) سورة التين الآية 5
الحياة الإنسانية تقوم على دعامتين توازن كل منهما الأخرى حتى لا ينحدر الإنسان إلى حضيضها ، وينهك قواه في أشيائها ، فالحياة الدنيا في جانب: { وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ } (1) .
{ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا } (2) ، { وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ } (3) لكن هذه الدنيا في جانب آخر: { وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا } (4) ، { فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً } (5) . والحقيقة أن كلا من الجانبين يقوم بمثابة الروح التي تبعث الحياة في الجانب الآخر ، فكل منهما عندما ينفصل عن الآخر ويصبح بمعزل عنه يغدو باطلا من الأمر وخارجا عن معنى الحياة وحقيقتها (6) ، فضلا عن أن فقدان أحد الجانبين لنسبته يزيغ بصيرة الإنسان ويضل خطواته على درب الفعل الحضاري الرشيد .
(1) سورة العنكبوت الآية 64
(2) سورة النساء الآية 77
(3) سورة الكهف الآية 45
(4) سورة القصص الآية 77
(5) سورة النحل الآية 97
(6) د \ محمد سعيد رمضان البوطي منهج الحضارة الإنسانية . بيروت 73
2 -الفكرة أو المنهج: