فهرس الكتاب

الصفحة 1522 من 2255

أيها المؤمنون: إن الأمة التي نعمت البشرية بقيادتها هي أمة الإسلام شهد بذلك التاريخ العريض، حضارة خرجة من رحم العلم النافع والعمل الصالح ، من العلم الرباني الموجه بوحي الله عزوجل ، إنه العلم القادر على إسعاد الناس في دنياهم وأخرهم ، فالإسلام منذ بزوغ فجره فرض على الأمة التي ارتضته دينًا أن تكون أمة مثقفة مدركة واعية ، فحقائق هذا الدين من عقيدة وأخلاق وعبادات ومعاملات بتفاصيلها الدقيقة وأصولها العميقة ليست طقوسًا مبهمة تؤخذ بالتقليد الوراثة ، وليست مهمات لفظية تحمل بغير وعي ولا إدراك ، إنها وحي ثابت وعلم يقيني قطعي محدد جاء من عند خالق الخلق ، إنه حقائق تستخرج من آيات الكتاب وآيات الكون والأنفس والآفاق ومنهج قراءة هذه الآيات جاء في كتاب الله والمعلم هو رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول: (( إنما بعثت معلمًًا ) ).

فالمدرسة الأولى كانت مدرسة ربانية نبوية كريمة أخرجت أمة مولعة بالعلم ، شغوفة بالعمل الصالح ، وتفرقت هذه الأمة في الآفاق تفتح الأقاليم والأمصار ، وكانوا كلما تم لهم فتح بلد سارعوا إلى بناء المساجد ومراكز التحفيظ ومدارس العلم ومجالسه وحلقاته ، وعدوا ذلك من مقتضيات الرسالة التي اضطلعوا بها لإخراج الناس من الظلمات إلى النور ، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ، أجل في الوقت الذي كانت أمم الكتب المحرفة تُعبد الناس لأحبارها ورهبانها وقياداتها السياسية كانت أمة الإسلام تحرر الإنسان من كل عبودية إلا عبودية رب العالمين ، كان المنهج الإسلامي يبني الحرية الحقيقية التي تجعل الإنسان لا يعرف الخضوع إلا لله عز وجل ، ويخلع كل عبودية لسواه ، فقد كان النصارى مستعبدين لأحبارهم (( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) ) (التوبة:31) .

ونتيجة لذلك الخضوع المنحرف استبدَّا أولئك الأحبار وظلموا الناس (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) ) (التوبة:34) في ذلك الوقت كان المسلم يتشبع من معاني العزة والإباء والحرية فقد كان الرسول e يقول: (( لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم ، إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله ) ).

وقال e: (( لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ) ).

استلهمت أمة الإسلام هذه النصوص وفقهت ما فيها من إكرام الإنسان بالتعلق بالله وحده ، فصاروا أحرارًا وأباة لا يقيمون على ضيم ، ولا يسكتون على مذلة ، عبوديتهم لله أورثتهم أنفة من الخضوع لغيره .

يسل أحدهم سيفه ويقول: والله يا عمر لو رأينا فيك عوجا لقومناك بهذا ، في ذات الوقت كان النصارى غارقون في عبودية أحبارهم ورهبانهم ، وكانت كنائسهم متسلطة على رقابهم ، أخذًا للأموال ، وإراقة للدماء ، تحكم لمن تشاء بالجنة والغفران ، وتحكم على من تشاء بالجحيم والنيران ، والمتتبع لسيرة النصارى وعبدة الصليب يجد أن ظاهرة الخضوع لغير الله فيهم أصلية وهي ثاني نتيجة للغلو والتطرف في مفهوم التوقير والإجلال ولذلك خاطبهم الله بقوله: (( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ) ) (النساء:171) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ( والنصارى أكثر غلوًا في الاعتقادات والأعمال من سائر الطوائف ، وإياهم نهى الله عن الغلو في القرآن ) .

وقال بعض أهل العلم: ( والغلو في النصارى كثير، فانهم غلو في عيسى فنقلوه من حيز النبوة إلى أن اتخذوه إلهًا من دون الله، يعبدونه كما يعبدون الله ) فهم حتى لما ذا قوا ويلات الكنيسة حتى ملتها نفوسهم، ورفضتها عقولهم ، ثاروا عليها ، وحطموا سلطانها ، ولكنهم وقعوا في رق المادية ، وعبادة المصنع والدولة والشهوات ، وغلوا مرة أخرى في عبادة الحياة وحب لذائذها ، وما يتبع ذلك من الرغبة السيطرة على مقدرات الأرض وخيراتها ، وراحوا يحاولون تحقيق ذلك من خلال السطو على ثروات الآخرين ، وسلكوا إلى ذلك كل مشروع وممنوع من الوسائل والطرق ، فهم أمة مريضة بداء التطرف منذ نشأتها فان عادوا كانت عادتهم غاشمة ظالمة موغلة في الجور والفجور .

يقول واحد من أبرز دعاة النصارى وهو ذو شعبية عريضة وأثر كبير في قومه ( الإسلام دين شرير ، ولا يتبع لنفس الإله ، إنه يحرض على القتل إنه ليس دين سلام ) أجل ما دام دين الإسلام يُربي أتباعه على العزة ، فهو دين شرير ، ما دام يربيهم على رد الظلم ونصرة المظلوم فهو في نظرهم دين شرير ، وكل أمة من أمم الأرض تحاول أن تعد نفسها لرد ظلمهم فهي أمة شريرة بحاجة إلى الترويض ، من خلال المناهج التربوية والسياسات المالية ، والتبادلات الثقافية ، بحاجة إلى من يروضها على الذل والإخذاء ، فعندما انتصرت أمريكا على اليابان جاءت لجنة تربوية لتقوم بتصميم منهج تربوي لليابانيين يطمس فيهم نفسية المقاتل ويطبعهم بحياة المدنية المستسلمة ، فلا عجب أن يحاربوا كل منهج تربوي يغرس روح الجهاد ، لأن الجهاد هو الذي أذاقهم الأمرين في عهود الحروب الصليبية ، ولأنه هو الذي رد استعمارهم خاسئا وهو حسير ، ولأنه هو الذي لا زال يفري أكباد ربائبهم على أرض فلسطين ، ولأنهم لا زالوا يشربون من يده كأس الموت في أفغانستان ، أليسوا هم الذين يشجعون الطرق الصفوية في أفريقيا ، ويمدون أشياخها بالأموال والمرافق ، لا لشيء إلا لأنها تملك الطرق التي ترضع أمة الإسلام روح الهزيمة والاستسلام ، ولا تعترف بالجهاد أسلوبا لطلب الجنة والعزة ، وفي ذات الوقت يُعلمون أبناءهم أن بلاد الإسلام مجرد محطات نفط ، وكلاء مباح ، ومال ضائع ، لذلك فهم يحضون أبناءهم على السطو ، ويغرسون في أنفسهم رغبة التوسع ، وذلك قاسم مشترك بين اليهود والنصارى ،

يقول أحد رجال المخابرات الإسرائيلية: ( نحن الذين علمنا أبناءنا بأن الفلسطينيين قوم كذابون ماكرون ، وأن عليهم ألا يصدقوا أقوالهم ووعودهم ، ونحن الذين أجرين لأبنائنا عمليات غسيل الدماغ بحيث لم ندع أمامهم أية خيارات أخرى غير الرفض لكل ما هو فلسطيني أو مربى حقا كان أم باطلا) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت