لكن مع اختلاطي بنتاج هذه الحضارة سواء بالقراءة أو الدراسة أو بالمعايشة وجدت أن النظرة الاستعلائية للغرب تخفي وراءها عنصرية متعصبة ضد من يخالفهم في الجنس أو العقيدة؛ وهذه الروح العنصرية ضد الجنس و العقيدة طالما ضربتهم هم أنفسهم فيما بينهم؛ فالمذاهب المسيحية الكنسية تنازعت، والعناصر العرقية المتعددة تحاربت؛ ففي أساس الحضارة الغربية هناك نظرة فاسدة أراها حضارة متخلفة تمامًا، وأعجب كيف أن مثقفينا بداية من رفاعة الطهطاوي وطه حسين ولطفي السيد ولويس عوض لم يكتشفوها رغم ذكائهم؟ أو لعلهم اكتشفوها وخبأوها لسبب أدركوه!
سافرت إلى أمريكا سنة 1960 وعشت هناك ست سنوات متواصلة اختلطت بشرائح متعددة منها المثقف والجاهل والإنسان العادي وجدت فيها جهلًا شديدًا بالآخر وخصوصًا تجاه المسلمين والعرب ولم يكن هذا الجهل متواضعًا بل استعلائيًا لا يريد صاحبه أن يعرف وإذا عرف يقاوم المعرفة ويتمسك بعنصريته وانحيازه بشكل دفاعي وبشكل غريب يتباهى بقوته ويراها الكفيلة لسيادته على العالم.
إن نابليون على سبيل المثال الذي غزا مصر منذ أكثر من قرنين كان جاهلًا متغطرسًا معقدًا ومع ذلك صور في بلادنا على أنه على قمة الحضارة، بينما عرف أهله ورأوه على حقيقته قصرًا قبيحًا لا يستحق سوى أن يعزل، وكل ممثلي الإمبراطورية البريطانية كانوا على شاكلة نابليون"جهلاء متغطرسين"، وللعلم الغطرسة وليدة الجهل والجهل يدعم الغطرسة.
انحطاط مغلف بالقوة
وأثناء وجودي في أمريكا وكنت ذاهبة إليها مشبعة بالتمجيد تجاه الغرب وحضارته الذي تم تلقينه لي على يد الأجيال السابقة علينا فوجئت بهذا الانحطاط المغلف بحضارة بالقوة، وفوجئت بمن يقول لي أثناء إحدى المناقشات"أمريكا تستطيع أن تدوس العالم بقدميها وقوتها"وإنني أندهش وأتساءل: لماذا لا تفعل ذلك طالما أن العالم يكرهنا؟
وعندما عدت من دراستي هناك - وكانت على نفقتي الخاصة- كتبت"إننا نظلم أنفسنا عندما نمجد الغرب على حساب تراثنا، وإننا جُهّلنا عمدًا بحضارتنا، وإنني مازلت أذكر ذلك المستشرق الروسي الذي قال لي يومًا بالقاهرة في أواخر الستينيات: هل قرأت للجاحظ؟ هل قرأت لابن حزم؟ هل قرأت لفلان وفلان؟ وأخذ يعدد لي علماء وكتاب الحضارة الإسلامية العظام، وكان ردي عليه:"إنني سمعت عنهم كلهم وقرأت بعضًا من مؤلفاتهم ولم أقرأ لأحدهم مجمل مؤلفاته؛ فكان رده الذي لن أنساه"يا للعار!!"، وكنت في ذلك الوقت قد قرأت لشكسبير معظم الأدب الغربي والمسرح الغربي من مبتدئه إلى نهايته بشكل شامل كما قرأت نصوص الفلسفة الإغريقية وما يسمى بنتاج الحضارة الغربية الأساسي، ورغم أنني جادلت هذا المستشرق الروسي إلا أنني شعرت بأنه على حق، وأن هناك كثيرًا من كتبنا المتميزة لم تمتد إليها يدي وأيدي الكثيرين غيري.
بعد ذلك كتبت مقالة نشرت بمجلة"المصور"المصرية، وهي متضمنة في كتابي الأول"رومانتيكيات"عن كتاب"جلستان"أو"روضة الورد"للشاعر سعد الشيرازي، وأذكر أن هذا الكتاب كان أول ملامسة حقيقية بيني وبين تراثنا الإسلامي، وعلقت عليه قائلة: إنني وجدت فيه إليخوت وبريخت ويونسكو وكل الطفرات الإبداعية والثقافية التي يتباهى بها الغرب بالإضافة إلى الحكمة.
تصحيح المسار
ومن هنا الذي لم أكن قد قرأته من قبل وفي مقدمته المراجع الإسلامية. وأذكر أنني قد قرأت عام 1971 كتاب الشهيد سيد قطب"في ظلال القرآن"الذي جاء في ستة مجلدات فعزز من روحي المنتصرة المكتشفة للذات وللقدرات الخاصة بنا، والتي حاول الكثيرون أن يخفوها ويطمروها بعيدًا عن عيوننا، وأن يسرقونا منها ويسرقوها منا لكي نبدو مكسورين مهزومين عميًا وبكمًا وصُمًّا في اتجاه منتجات الحضارة الغربية.
نحن في عصر المقاومة
إن قوتنا الحقيقية ما تزال موجودة في أيدينا ومطمورة حولنا؛ فانكسارات الأنظمة العربية التي زعقت في الخمسينيات، وبدت كأنها تشحذنا بالقوة والكرامة والعزة لم تكن بالقوة الكافية لمواجهة التخلف الغربي؛ لأنها في الحقيقة لم تكن سوى انكسار كبير مغلف بانتصار وهمي، ولذلك فأنا لا أعترف بما يقال من انكسار وتبعية العرب للهيمنة الأمريكية؛ فما هي إلا تبعية سطحية يقودها من يملكون أمر هذه الأمة بشكل تعسفي، فأنا شخصيًّا غير مكسورة وهذا الانكسار الذي يبدو انكسارًا من نظم شاءت أن تكو تابعة للعلمانية الغربية لمصلحتها الخاصة، وأرى أننا لسنا في عصر الانكسار والهزيمة، بل في عصر المقاومة.
بحث في أصول الثقافة السياسية العربية""
قراءة: طارق ديلواني 26/3/1428
الكتاب
مصر في عيون فرنسية
المؤلف
فيصل جلول
الناشر
الدار العربية للعلوم/ بيروت
من المعلوم أن ثقافة معظم البلاد العربية تأثرت كثيرًا، لا بل إنها انبنت أساسًا على ثقافة البلد المستعمر، ولو لم يكن ذلك في كليتها.
ومثلما دخلت ثقافة الغرب - والثقافة الأمريكية خصوصًا - هذه الأيام إلى البلدان العربية حجزت الثقافة الفرنسية الفرانكفونية موطئ قدم لها في منطقتنا منذ القدم، إما عبر الاستعمار العسكري والثقافي أو من خلال موجة الثقافات الوافدة إلى عالمنا بفعل العولمة.
ولمعرفة طرق تكوين الثقافة السياسية في عالمنا العربي وتحديدًا تأثير الثقافة الفرنسية فيها يبحث كتاب"مصر بعيون الفرنسيين"للكاتب اللبناني فيصل جلول، هذه الإشكالية انطلاقًا من مصر التي شكلت خلال القرون الثلاثة الماضية محورًا لافتًا في العالم العربي بصفتها حاضنة الثقافة العربية وعمق العرب السياسي والاقتصادي والعسكري قبل أن تكبلها اتفاقيات كامب- ديفيد ابتداء من الربع الأخير من القرن الماضي، بقيود همشت دورها وموقعها المركزي بين البلدان المشرقية.
ما يقوله فيصل جلول في كتابه إن بغداد ودمشق البعثيتين و طرابلس الغرب القذافية و بيروت العرفاتية في السبعينيات وأوائل الثمانينيات، و الجزائر البومدينية، لم تفلح جميعها في تعويض الدور المصري أو خلافته منفردة أو مجتمعة، مما أدى إلى أن يفتقر العرب وما زالوا يفتقرون إلى مركز أو قطب تدور حوله حركتهم السياسية، ويتحدد من خلاله مستقبلهم السياسي. ومعنى ذلك أن الثقافة السياسية السائدة في هذا البلد، عدا عن كونها مسألة مصيرية، فهي عربية في الصميم.
وينطوي كتاب جلول على نصوص فرنسية حول أحداث مصرية فاصلة من حملة بونابرت على مصر؛ إذ شهدت هذه البلاد نوعين من الغزو، الأول عسكري وقد انتهى أثره بهزيمة الحملة وهرب قائدها ، والثاني هو الغزو الثقافي وهذا ما لا يزال أثره حاضرًا إلى اليوم، إلى حد أن كثيرًا من المثقفين المصريين مازالوا يعتقدون أن الحملة المذكورة أدخلت"التنوير"إلى مصر بعد أن حمل بونابرت معه إلى بلاد النيل جيشًا من المثقفين الأكثر خبرة وشهرة في فرنسا.
وفي رأي جلول أن التنوير الذي يتحدث عنه المثقفون في مصر للأسف يمكن اختصاره في أن المصريين، وللمرة الأولى، أريد لهم أن يكتشفوا مع الحملة المذكورة أن الحضارة الإسلامية متخلفة بالقياس إلى الحضارة الغربية، وأن الحضارة الإسلامية تمثل"الظلام"فيما الحضارة الغربية تمثل"النور"!!
وهذا ما يدفع بالكثير من المتنورين إلى الإسفاف في النهل من الحضارة الغربية المزعومة إلى حد التجرؤ على الدين الإسلامي متذرعين بأنهم ينتقدون الحضارة الإسلامية لا الدين الإسلامي، وكأنهم يتجاهلون حقيقة أن عماد الحضارة الإسلامية هو الدين الإسلامي.