إذا كانت أحداث 11 سبتمبر قد أدت إلى تقوية وتدعيم تيار التصدي والعداء للإسلام السياسي في أوساط السياسيين والمثقفين الأمريكان (17) ، وأدى الأمر إلى قيام ستين مثقفًا أمريكيًا بإرسال رسالة إلى العالم الإسلامي بعنوان (من أجل ماذا نحارب) ؟ (18) يبررون فيها ويعطون الشرعية من خلالها للحرب الأمريكية على الحركات الإسلامية الراديكالية العنيفة المتطرفة كما وصفتها الرسالة، فإنّ الأحداث ذاتها فرضت سؤالًا رئيسًا عن السبب في انتماء المجموعة التي خططت وقامت في العمل إلى الدول العربية والصديقة للولايات المتحدة في العالم العربي -خاصة السعودية ومصر ودول الخليج الأخرى-، هذا السؤال أثار جدلًا واسعًا في المؤسسات البحثية والسياسية، و تمخّض عنه رأي توافق عليه عدد كبير من المنظرين والساسة الأمريكيين، وهو ما عبر عنه (مارتن إنديك) بالقول:"إن خطأ واشنطن الوحيد في الشرق الأوسط هو دعم نظم فشلت على نحو مستمر في تلبية الاحتياجات الأساسية لشعوبها، إنّ هذه النظم فضلت التعامل مع مشكلة حرية التعبير عن الرأي السياسي في بلدانها عن طريق توجيه المعارضة ضدنا"، فهذا الرأي بات ينظر إلى أنّ دعم الولايات المتحدة للأنظمة العربية القمعية في المرحلة السابقة كان خطأ كبيرًا، حيث إن الاضطهاد السياسي والتهميش الاقتصادي هي الظروف التي ساهمت في خلق مضمون11 سبتمبر (19) ، ولقد تبنت الإدارة الأمريكية هذا الرأي بشكل كبير في استراتيجية الأمن القومي الأمريكي التي أعلنتها وزارة الخارجية الأمريكية، إذ ربطت هذه الوثيقة بشكل كبير بين الإرهاب وبين الأنظمة الفاشلة، التي تنتج الظروف المواتية للإرهاب، لذلك أكدت الوثيقة بأن استراتيجية الولايات المتحدة في المرحلة القادمة هي دعم التحول الديمقراطي والانفتاح السياسي، وحقوق الإنسان والحريات العامة، كما اعتبرت الوثيقة الإرهاب -خاصة الإسلامي- مصدر التهديد الرئيس للولايات المتحدة وحلفائها، ووضعت عدة آليات لمكافحة الإرهاب (20) .
هذه المضامين السياسية في استراتيجية الأمن القومي تطرح بدورها أسئلة رئيسة على الولايات المتحدة، إذ إنّ التخوف الأمريكي من الإرهاب الإسلامي الإحرابي، يوازيه تخوف مقابل من الإسلام السياسي الديمقراطي ، والذي يعتبر الانتخابات بمثابة الفرصة الكبيرة له للسيطرة على الساحة السياسية، وربما الوصول إلى السلطة، وأي ضغط أمريكي على حلفائها العرب لزيادة مساحة الديمقراطية والحرية، سيكون متنفسًا للحركات الإسلامية التي باتت البديل الشعبي عن الأنظمة العربية الهشة في رؤية واشنطن، كما أن دعم مؤسسات المجتمع المدني سيؤدي في كثير من الأحيان إلى سيطرة الإسلاميين الذين يعارضون السياسة الأمريكية عليها، وفوق ذلك فإنّ الحرب العراقية ستؤدي نتائجها المتتالية إلى تعميق أزمة الشرعية المزدوجة (21) التي تعيشها الأنظمة العربية، وتقوي من نفوذ الحركات الإسلامية (22) .
أمام هذه الحالة السياسية، فإنّ هناك سياسات متوقعة للولايات المتحدة اتجاه الحركات الإسلامية في المستقبل القريب:
أولًا: أن تبقى الولايات المتحدّة على دعمها للأنظمة العربية الراهنة، بسبب التخوُّف من البديل الإسلامي، رغم اعتبار عدد من المنظرين الأمريكان تلك السياسة من أخطاء الماضي.
ثانيًا: أن تستمر الولايات المتحدة في حربها على الإرهاب، وملاحقة شبكة القاعدة، وتطوير القدرات الاستخبارية والأمنية؛ للقضاء على خلايا الجماعات الجهادية الإحرابية.
ثالثا: أن تضغط الولايات المتحدة على الأنظمة العربية من أجل إصلاحات داخلية، وتوسيع مساحة الحرية للنخب الليبرالية، مع ضبط الإسلاميين بالعسكر في السلطة (حالتي باكستان وتركيا) ، لضمان المصالح الأمريكية.
رابعا: أن تسعى الولايات المتحدة إلى إجراء حوارات مع الحركات الإسلامية المعتدلة، والوصول إلى لغة مشتركة متفهمة.
أمّا بالنسبة للحركات الإسلامية، فمن المتوقع أن تستمر الجماعات الجهادية في مواجهتها الأمنية مع الولايات المتحدة وحلفائها، وقد يزداد تأثير هذه الحركات على قطاعات من الناس بفعل الإحباط والحراك الاجتماعي الناشئ عن الحرب العراقية، وستزداد شروط فعاليتها في حالة بقاء الانتفاضة إلى فترة طويلة، أمّا إذا دخلت الأنظمة العربية والفلسطينيون في التسوية النهائية، وإذا تم التوصل بعد انهيار النظام العراقي إلى مشاريع تسوية طويلة، فإنّ من المتوقع أن يقل تأثيرها على الشعوب، وأن تسيطر الأنظمة على الحالة الأمنية، خاصة إذا ترافق ذلك مع انفتاح ديمقراطي معين.
أما الأحزاب الإسلامية السلمية، فإنّ أمامها عدة احتمالات، خاصة مع ظهور أكثر لتداعيات الحملة الأمريكية على العراق:
الأول: أن تدخل في صراع سياسي، وتهييج شعبي ضد الأنظمة الحالية، خاصة في حالة ضرب العراق، ومشاركة أنظمة عربية في الضربة، لكن يستبعد أن يؤدي هذا التصعيد لتغييرات سياسية فوقية، بناءً على الملاحظات الحالية للواقع السياسي العربي.
ثانيًا: أن تنقلب على منهجها، وتأخذ منحى العمل العسكري والجهادي لمواجهة الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، خاصة إذا بقيت القوات الأمريكية فترة طويلة في العراق، وإذا فشلت الولايات المتحدة في جرّ الدول العربية والفلسطينيين إلى معاهدات سلام نهائية.
ثالثًا: أن تمارس نوعًا من الاحتجاج السياسي والتصعيدي غير الخطير، وأن تحاول أن تكيّف نفسها سياسيًا مع طبيعة المرحلة الجديدة مستقبلًا، والتعامل مع مخرجاتها بشكل أكثر عقلانية وواقعية.
بناء على الاحتمالات السابقة، هناك عدة سيناريوهات للعلاقة بين أمريكا والإسلام السياسي، نعتقد أن أبرزها السيناريوهات التالية:
الأول: المواجهة الشاملة بين الطرفين، والدخول في صراع مسلّح، تدعم فيه الجماهير العربية الحركات الإسلامية، والتي ستستهدف الوجود العسكري والمصالح الأمريكية في المنطقة، ويترجح هذا السيناريو في حالة فشل الولايات المتحدة من حسم الشأن العراقي سريعا، وعدم الوصول إلى تسوية نهائية للقضية الفلسطينية.
الثاني: الوصول إلى معادلة توفيقية بين الولايات المتحدة وبين حركات إسلامية سلمية معتدلة، ويقوم هذا السيناريو على أساس أن هناك نقاط التقاء كثيرة بين ما طرحته وثيقة الأمن القومي الأمريكي الجديدة، مثل الدعوة إلى الانفتاح الديمقراطي، والحرية السياسية، ونقد فساد الأنظمة العربية الحالية، والدعوة إلى تحسين الظروف السياسية والاقتصادية للإنسان العربي، ورفض التطرف والعنف، ويترجّح هذا السيناريو بالنسبة للأمريكان بعد نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة في عدد من الدول (المغرب، البحرين، تركيا، باكستان) ، والتي أظهرت أن القوى الإسلامية والقوى الشعبية المؤيدة لها أمر لا يمكن تجاهله، وأيضا لعجز القوى السياسية الأخرى في منافسة الشعبية الإسلامية. وبالنسبة للحركات الإسلامية، فإن الطرح الأمريكي نحو التشجيع والعمل على بناء مستقبل ديمقراطي وتنمية سياسية واقتصادية أفضل لها من القبول بالواقع السياسي العرفي العربي الحالي، كما أنّ الظروف الدولية والإقليمية والهيمنة الأمريكية أمر لا يمكن تجاهله وتجاوزه، بالإضافة إلى انعدام قدرتها على المواجهة العسكرية الداخلية، وعدم مساعدة الظروف الخارجية على ذلك.