فهرس الكتاب
تعتبر الحرب الأفغانية أول حرب معلنة وصريحة بين الولايات المتحدة ومستودع القوة العسكرية لتنظيم القاعدة المتحالف مع طالبان، وقد انتهت المعركة بإزالة حكم طالبان، وبتشتيت قيادة القاعدة وتدمير قدراتها العسكرية، بالإضافة إلى أسر واعتقال عدد من قيادييها في جزيرة جوانتانامو، ثم ملاحقة أعضاء القاعدة والجماعات الجهادية في كل أنحاء العالم (أكثر من ثمانين دولة) (5) ، واعتقال أعداد كبيرة منهم في عدد من الدول. بينما قامت مجموعات تظهر المؤشرات والدلائل على أنها إسلامية، وقد تكون ذات صلة بتنظيم القاعدة، بعدة عمليات مثل تفجير ملهى بالي في إندونيسيا، وعملية جزيرة (فيلكا) في الكويت، واغتيال الدبلوماسي الأمريكي في الأردن، وتفجيرات الرياض والدار البيضاء وغيرها (6) ، ومازالت المواجهة بين الولايات المتحدة ومعها تحالف دولي كبير تقوده ضد الإرهاب، من خلال استراتيجية الإدماج (7) (توحيد جهود المجتمع الدولي ضد الإرهاب) ، وبين شبكة القاعدة الهلامية الممتدة في أكثر من ثمانين دولة في العالم، فيما يطلق عليه بعض المسؤولين الأمريكيين (حروب الشبكات) (8) .
مقاربة فكرية
يرى الدكتور (فوّاز جرجس) أن هناك عاملين أساسيين يقفان وراء تحديد العلاقة بين حركات الإسلام السياسي وبين الولايات المتحدة وهما: عامل ثقافي وعامل سياسي/أمني (10) (11) ، بالنسبة للجانب الثقافي فهناك صورة لدى فئة كبيرة من الرأي العام الأمريكي والنخب المثقفة والسياسية ترى أنّ الإسلام عبارة عن ثقافة عدائية، وأنّه يتناقض بشكل كبير مع الديمقراطية، وتربط هذه الفئة بين شكل الحكومة وسلوكها. أمّا على الجانب السياسي/ الأمني؛ فهناك رأي سائد لدى هذه الفئة الكبيرة الممتدة في مراكز صنع القرار الأمريكي والمؤسسات الثقافية والإعلامية - ويطلق عليهم جرجس دعاة التصدي- بأن الخطر الإسلامي حلّ مكان الخطر الشيوعي، وأن الحركات الإسلامية قد ورثت العداء من الأنظمة القومية السابقة ضد الأمريكان، ورأوا أنّ الحركات الإسلامية هي التي تملأ الفراغ التهديدي بعد الحرب الباردة، ويرى هؤلاء أن الإسلاميين يتعاملون مع الديمقراطية كأداة للوصول إلى السلطة، وأنهم بعد ذلك لن يسمحوا باستمرار الديمقراطية والعملية الانتخابية (التصويت لمرة واحدة) ، كما أنّ وصول هذه الحركات إلى السلطة يهدد المصالح الأمريكية الرئيسة في الشرق الأوسط: النفط وإسرائيل، حيث تعارض هذه الحركات مشروع التسوية الذي ترعاه الولايات المتحدة (12) .
ومن أبرز دعاة هذا الرأي (مارتن أنديك) الذي كتب في مقال له في مجلة الشؤون الخارجية الأمريكية 1993: بأنّ (13) أمام العرب طريقين: إما مستقبل تنتشر فيه الأصولية الإسلامية وتجتاح المنطقة أو مستقبل تسود فيه الليبرالية (14) ، ويشاركه في هذا الرأي مجموعة كبيرة من الساسة والمنظرين الأمريكان، لكن التنظير الفكري الأخطر في رسم مستقبل الصراع بين الحركات الإسلامية والولايات المتحدة جاء من (صموئيل هانتنغتون) في كتابه صدام الحضارات، والذي تنبأ فيه بحرب كونية دينية قادمة، قطبيها الرئيسين هما الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية المسيحية (15) .
هذا الاتجاه السائد لدى النخبة المسيطرة والمهيمنة في المؤسسات السياسية والثقافية الأمريكية، تعارضه نخبة أخرى ترى ضرورة التمييز بين الإسلام المعتدل وبين الإسلام المتطرف، ولا تجد تناقضًا بين الإسلام وبين العملية الديمقراطية، بل وحمّلت هذه النخبة الإدارة الأمريكية وسياستها المتحالفة مع إسرائيل، والداعمة للأنظمة الفاسدة في العالم العربي مسؤولية المضمون الذي صنع 11 سبتمبر (16) .
في الطرف المقابل فإن الحركات الإسلامية، والتي باتت القوة الشعبية الهائلة في العالم العربي والإسلامي نظرت إلى السياسة الخارجية الأمريكية نظرة عداء، ورأت أنّ هذه السياسة التي تقوم على دعم إسرائيل، وتوفير كل وسائل المساعدة العسكرية والسياسية والاقتصادية لها، وتدعم الأنظمة العربية القمعية الفاسدة في مواجهة الحركات الشعبية، وأنها تتدخل في خصوصيات الشعوب وخياراتها السياسية والحضارية، وترفض الديمقراطية عندما تأتي بالحركات الإسلامية خوفًا على مصالحها الخاصة وحماية لإسرائيل، ولا تميّز بين مقاومة الاحتلال الشرعية وبين الإرهاب، وتتجنَّب الحديث عن إرهاب الدولة الذي تمارسه إسرائيل وتمارسه هي ضد العديد من الشعوب، حيث ضمت اللائحة الأمريكية للمنظمات الإرهابية كل الحركات الإسلامية التي تقاتل لتحرير أرضها (ومنها حزب الله وحماس والجهاد الفلسطينية) . في المحصلة أنّ هذه السياسات المشكلة للسلوك السياسي الأمريكي في العالم العربي هي سبب العداء بين الحركات الإسلامية وبين الولايات المتحدة.
وإذا كان انتقاد السياسة الخارجية الأمريكية قضية مشتركة بين أطياف الإسلام السياسي، فإنّ مواقفها تختلف في الكثير من المسائل، فقد عارضت أغلب الحركات الإسلامية أحداث 11 سبتمبر، كما رفض كثير منها عمليات قتل المدنيين الغربيين، ورفضت التعامل مع الغرب على اعتبار أنه وحدة واحدة ضد العرب والمسلمين، كما أن كثيرًا من هذه الحركات لا تعتمد العمل العسكري، وإنما تنتهج الطريق السياسي السلمي المدني في التعبير عن مواقفها.
أمام هذه الحالة من المواجهة المحتدمة بين الإسلام السياسي والولايات المتحدة، فإنّ الحرب الأمريكية على العراق قد أدت إلى زيادة حالة الغليان الشعبي والاحتقان الداخلي في العالم العربي على السياسة الأمريكية والحكومات العربية المتحالفة معها، والمطبّعة مع إسرائيل. وهنا فإنّ الحركات الإسلامية الإحرابية (عمليات مسلحة ضد القوات والمصالح الأمريكية) ، والسلمية (مسيرات، مظاهرات، احتجاجات) ، هي المؤهلة بأن تقوم بالتعبير عن حالة القهر العام في العالم العربي، وبالتالي فإنّ المرحلة القادمة القريبة تطرح سؤالًا مباشرًا عن سيناريوهات العلاقة بين أمريكا وحركات الإسلام السياسي؟..
آفاق المستقبل